الرقيق

أميمة الخميس

بعد أن غادرتنا سيدة إندونيسية ,أمضت بيننا ثماني سنوات, اكتشفت أنني لم أتعلم كلمة واحدة من لغتها, لم أتعلم صباح الخير، أو عمت مساء, أو حتى مرحبا بالإندونسية .

لم أجعل منها نافذة أطل منها على إندونيسيا,لم استنشق رائحة البهار في الغابات الاستوائية العبقة الضاجة, أو أنصتُّ إلى أوتار يتجاوب مع أنغامها الطيور الصهباء التي تزركش أشجار جاوة, أو رجع زبد الموج المنسكب على شطآن سومطرة المشغولة بالهيل, ,أو القرنفل الذي تفكك تحت أقدام أوائل التجار المسلمين, فألهبت رؤوسهم رائحته.

فقد كان وجهها مؤصدا دوني بمصراع من خجل وتردد.

كانت السيدة الإندونيسية في منزلنا تسكب كل صباح محلول الكلوركس على ملامحها فتتلاشى , وترسم هوية جديدة تتلاءم مع مزاج أسيادها,مواقيت قهوتهم, مواسم التمر المرافق, والمقاييس المقدسة للماء فوق الرز ليفوز بكلمة (نثري) .

لماذا لم أتقدم خطوة واحدة تجاهها؟ وبقيت على أقصى الطرف هناك لا أراها, فقط أسمع قعقة القدور, فأحدس المرحلة التي وصلتها في إعداد الطعام .

وعندما كانت تقدم لي صور أبنائها سعيدة بثيابهم الجديدة, كنت أتغاضى عن ذبول طفيف في وجناتهم, وحزن عميق في قاع أعينهم, شأن جميع الأطفال الذين يفارقون أمهاتهم.

وعندما كانت تريني صور المنزل الذي تبنيه, لم أكن أرى نسغ جهدها الذي ينسكب في عروق المنزل, وحجارته المصنوعة من عسجد أحلامها, كل الذي يشغلني وقتها هو شعور ماكر بأن يظل منزلها في مراحله الإنشائية الأولى, كي تمضي هذه السيدة المزيد من السنوات برفقتي قبل أن تغادر لتقطنه.

كنت عندما أهديها رحلة عمرة وبطاقة هاتف مدفوع, أظن وقتها أنني سيدة إنسانية عظيمة تقوم بتدليل خدمها, وعندما أترفع عن تفتيش مقتنياتهم الخاصة بحثا عن سحر محتمل, سرعان ما تهرع بعضهن إلى تحذيري عبر باقة من القصص العجائبية, يعجز أبليس نفسه عن القيام بها, لا آسيوية ضئيلة بعظام هشة.

لسنوات طوال أنشأنا بروتكولا لنوع من العلاقات العجيبة مع العمالة المنزلية, حتى باتت لزمة تتكرر في كل منزل دون مراجعة.

وزارة العمل بدأت بعزيمة صادقة في مراجعة الكثير من القوانين المتعلقة بالعمالة المنزلية, وترصدت بالسوق السوداء التي تختفي خلف واجهة مكاتب استقدام (ذات سلوك وضيع واستغلالي) , فأغلقت 126 مكتبا , وألغت تراخيص أخرى .

كما خصصت موقع (مساند) ليتيح لمستخدميه التعرف على الشركات المرخص لها بالاستقدام, والإجراءات النظامية له.

المفارقة أنه في نفس الجريدة التي نشر فيها خبر إيقاف مكاتب الاستقدام, كانت تحتشد بإعلانات بيع العمالة المنزلية !!(تجارة رقيق مقنعة).

نعرف بأن الطريق صعب، ومحتشد بالعراقيل، والتحديات جمة, ولكن حتما تعاضد الجهات التشريعية, مع الجهات القضائية والأمنية, جميع هذا مردوفا بعزم، ووعي اجتماعي سيسهم في تفكيك ثقافة تكونت على مدى أجيال داخل منازلنا.واليوم عندما بزغت إندونيسيا فجأة على قائمة خياراتنا السياحية, اكتشفت بخجل أن هناك إندونيسية قد أمضت في منزلنا ثماني سنوات …دون أن أعرف منها حتى كلمة …مرحبا بالإندونيسية.

Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

إعلانات

جديد المقالات

جديد المقالات