القاهرة تسد تراجع السياحة الغربية بنظيرتها الخليجية

العرب – لعبت الصدفة دورا كبيرا في إنقاذ الموسم السياحي خلال أشهر الصيف في مصر، فقد استعاضت الحكومة عن تعثر تدفق السائحين من روسيا ودول غربية عدة، بنشاط ملحوظ على مستوى السياحة العربية، التي تجاوز مواطنوها ارتفاع حرارة الجو والرطوبة، ووجدوا في برود الأسعار وحفاوة الاستقبال وارتفاع الاستقرار السياسي والأمني، مقابل التوترات التي سادت الدول التي اعتادوا عليها، سببا مقنعا لاختيار مصر كوجهة سياحية هذا العام.

من أهم الملامح التي يجدها من تطأ قدماه شارع جامعة الدول العربية وحي الحسين في القاهرة، رفرفة أعلام دول الخليج، بعضها مرصوص على جانبي الطريق، وبعضها يرفعه باعة الأرصفة، في إشارة إلى الترحيب بالزوار العرب طوال أشهر الصيف.

وتوجد بالقرب من الأعلام لافتات دعائية لحفلات غنائية لأشهر مطربي الخليج، وأسماء مطاعم تعد وجبات ساخنة من الكبسة والمندي والمظبي، في محاولة لجذب السياح العرب الذين توافدوا على القاهرة بكثافة.

وتكتظ الكثير من الشوارع بأصحاب الغطرة والقحفية والعباءات السوداء المذهبة، علاوة على ارتداء زي من أحدث بيوت الموضة. لقد عادت السياحة العربية لمصر، وعادت مظاهرها تملأ المسارح ودور العرض السينمائي والمطاعم والمقاهي. وبدا قطاع كبير من المصريين مرحبا بمظاهر غابت عنهم قرابة سبع سنوات، بسبب حدوث تغيرات سياسية وأمنية عديدة.

واعتاد السائحون العرب تجاوز حرارة الجو في القاهرة، وتأقلموا مع الزحام وانسجموا مع الفوضى التي تعم الشوارع، وغضوا الطرف عن السلوكيات السلبية وحولوا كل ذلك إلى دعابة.

لفت صديق عربي إلى أنه لن تطأ قدماه القاهرة لو وجدها مدينة منظمة، يستيقظ سكانها مبكرا ويخلدون للنوم مبكرا أيضا، لأن الفوضى والعشوائية تحولتا إلى متعة، وهو شخصيا مل الهدوء التام في بلده، فوجود الشيء ونقيضه أحيانا يصبح متعة.

وقال لـ”العرب” “يمكنك أن تجد في مصر كل الإيجابيات والسلبيات ولو تخلت عن جنونها وتناقضاتها لن تكون البلد الكبير الذي نعرفه، فهي مليئة بكل أنواع البشر؛ فيها العلماء والمثقفون، والجهلاء والنصابون، الفنانون الحقيقيون والمزيفون، الأوفياء والمخلصون والفاسدون والكذابون، هي طبيعة بلد لو افتقدتها لتخلت عن أحد مظاهرها اللامعة.

سائحون وبائعون

تعج المتاجر والأسواق المصرية بالسائحين، وأصبح البائعون أكثر سعادة وترحابا بالضيوف الذين مثلت عودتهم بكثافة، طوق نجاة للسياحة في مصر التي استفادت من تغير وجهة السائحين، وانصراف فئة منهم عن دول مثل تركيا وماليزيا وسنغافورة ولبنان، بعضها لأسباب سياسية وأخرى لدواع أمنية، وثالثة لدوافع اقتصادية.

يقف راشد بندر، من المملكة العربية السعودية، في أحد المولات التجارية الكبيرة بالقاهرة، يحمل في يديه حقائب بلاستيكية امتلأت بالأزياء الراقية وإكسسوارات ومستلزمات ترفيهية. وبدت على وجهه علامات الرضا بعد أن ابتاع ما يريده.

السائحون العرب لم تعد تبهر بعضهم القاهرة بصخبها، فقد اختار عدد كبير منهم هذا العام الذهاب إلى مدن ساحلية

ويوجد في مصر الآن نحو ثلاثين من المولات والأسواق الكبيرة، التي جذبت السائحين إليها، فهناك “مول مصر” و”مول العرب” و”سيتي ستارز” و”كايرو فيستيفال” و”داون تاون” و”المعادي” و”السراج” و”جنينة” و”البستان” و”طلعت حرب” وغيرها.

وأكد بندر لـ”العرب” بعفوية وبساطة “القاهرة عامرة بشتى مظاهر البهجة والتسلية، ولا يمكن لسائح أن يشعر بالملل في مدينة لا تنام، ومليئة بالمنتزهات والمتاجر والمقاهي المميزة، وما أضفى ميزة جديدة على هذه المدينة العملاقة رخص الأسعار بشكل عام بعد تحرير سعر الصرف وانخفاضه أمام العملات الأجنبية، فقد ارتفعت قيمة الريال وكل العملات أمام الجنيه المصري، ما أعطى لعملتي ميزة نسبية كبيرة ووفر لي الكثير من الأموال”.

وأضاف “باتت مصر الآن أقل الدول تكلفة، على مستوى الطيران والإقامة والمعيشة مقارنة بمدن أخرى مثل إسطنبول وأثينا وبيروت”.

واختارت أم حمد أن تقتني منزلا في ضواحي القاهرة، بعيدا عن الضوضاء، وتجد لذتها في الجلوس كل يوم في وقت الغروب وحتى الساعات الأولى من اليوم التالي في شرفة منزلها، مستمتعة بالجو الهادئ، معتقدة أن هذا سبب كاف لإقامة طويلة في مصر.

لكن مبررات أم حمد لا تتوافق مع رؤية محمد خالد، وهو شاب عشريني، فقد جاء للتمتع بالصخب الذي يفتقده في بلده، وجلس يدخن النرجيلة بمقهى “أوسكار” القريب من شارع جامعة الدول العربية، منسجما مع أغنية المطرب السعودي محمد عبده “أبعتذر”.

مؤشرات ودلالات

قدم خالد مجموعة من الأسباب التي جعلته يختار القاهرة، فهو كان يبحث عن مكان جديد لقضاء فترة الإجازة الصيفية، أو بمعنى أدق مغامرة جديدة في بلد كبير يمتلك طبيعة مثيرة وتاريخا ثقافيا واسعا ونوعا خاصا من الترفيه، ووجد كل ذلك في مصر. ولم يستبعد أن يكون اختياره خضع لحسابات سياسية، فبلده الخليجي (الإمارات) يتمتع بعلاقة وثيقة مع مصر، ما جعله يضمن حفاوة الاستقبال من المواطنين بمجرد معرفتهم اسم بلده الشقيق.

وأوضح لـ”العرب” أن طبيعة الأخبار التي يطلع عليها في القنوات والصحف والمواقع الإلكترونية تحكمت في قراره الأخير باختيار مكان سياحي مميز. فإذا كانت الأوضاع الأمنية المستقرة في مصر لعبت دورا مهما في اختياره، فعدم الاستقرار في لبنان وسوريا، والهواجس التي تلاحق من يذهب إلى تركيا، ساهم في عدم الذهاب إليها من قبل مواطني الكثير من الدول.

انتعاش السياحة العلاجية سبب جديد لزيادة السياحة العربية، عما كانت عليه في هذا المجال. وبدت المستشفيات الكبيرة وجهة للبعض

كشفت مؤشرات الحجوزات في الفنادق المصرية عن انتعاش كبير في السياحة العربية.

وقال هيثم نصار عضو الاتحاد المصري للغرف السياحية، إن نسب ارتفاع معدل الإشغال في فنادق القاهرة زادت بنسبة 70 بالمئة، بسبب إقبال السائحين من دول الخليج والأردن ولبنان، علاوة على تواجد عدد كبير من مواطني دول مختلفة للإقامة فيها، مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا.

وأشار نصار لـ”العرب” إلى أن زيادة السائحين العرب بدت ملحوظة أكثر هذا العام، والجديد هو كثافة من اختاروا الإقامة في فنادق بعيدة عن وسط القاهرة وزحامها.

وأضاف أن انتعاش السياحة العلاجية سبب جديد لزيادة السياحة العربية، عما كانت عليه في هذا المجال. وبدت المستشفيات الكبيرة وجهة للبعض، طلبا للعلاج أو إجراء فحوصات.

وكان أحمد طلال أحد هؤلاء الذين حلوا على القاهرة قادما من مدينة تريم اليمنية للعلاج. ولم يجد المركز الطبي الأفضل، لكنه وجد المستشفى الأقل تكلفة.

واعترف في تصريحات لـ”العرب” أن السياحة العلاجية في القاهرة في مجال عمليات القلب والأورام والعلاج النفسي والإدمان والسموم، باتت المكان الأبرز للكثير من اليمنيين.

وانطلقت في مصر مؤخرا مبادرة للسياحة العلاجية، تستهدف جذب مواطني الدول العربية إلى عدد من المستشفيات، وانتشرت الإعلانات في وسائل الإعلام المختلفة، وظهر سباق حول من يقدم خدمات أفضل وجودة أعلى وأسعارا أقل، وسطعت أسماء أطباء تحمل سمعة كبيرة لإقناع المرضى وذويهم ومن يريدون الاستشفاء.

وذكر ممدوح العربي الرئيس التنفيذي للنشاط الطبي لمجموعة شركات العربي، أن مصر تمتلك كوادر طبية وأجهزة علمية تضاهي نظيرتها في العالم، مع أسعار أقل بنسبة تصل في بعض أنواع العلاج إلى 70 بالمئة.

وأشار إلى أن القاهرة أصبحت متخصصة في مجالات بعينها تجذب السائح العربي مثل جراحات القلب والأورام والعظام والمفاصل، وعمليات التجميل والسمنة بأنواعها من مناظير وجراحة، وتخصصات الذكورة والعقم وأطفال الأنابيب والضعف الجنسي، بجانب طب الأطفال.

والمثير أن السائحين العرب لم تعد تبهر بعضهم القاهرة بصخبها، بل هناك من تبهره الشواطئ المصرية بهدوئها، واختار عدد كبير منهم هذا العام الذهاب إلى مدن ساحلية مثل شرم الشيخ والغردقة ودهب ومرسى علم والعين السخنة على البحر الأحمر، إلى جانب الإسكندرية ومرسى مطروح والقرى السياحية الكثيرة في كل منهما، كمقصد رئيسي.

Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

إعلانات

جديد المقالات

جديد المقالات