مدائن صالح … مدينة الحجر

وجدان فحماوي – مسؤول التحرير – مجلة صناعة السياحة – مدائن صالح هي عبارة عن موقع أثري يقع في المملكة العربية السعودية في الجزء الشمالي الغربي منها في منطقة تسمّى العلا وهي محافظة تابعة للمدينة المنوّرة، وقد عُرفت مدائن صالح قديماً باسم “مدينة الحِجر” حيث يعود هذا الاسم إلى ديار ثمود الواقعة في المدينة المنورة وتبوك، ولقد ورد ذ كرهم في القرآن فهم الذين استجابوا لدعوة النبي صالح، ومن ثمّ عقروا الناقة التي أرسلها الله فأخذتهم الصيحة.
تحتلّ المدائن موقعاً استراتيجيّاً متميّزاً على الطريق الذي يجمع دول مصر، وبلاد الشام، وبلاد الرافدين، وشبه الجزيرة العربية، حيث يحتلّ هذا الموقع أهميّة تجارية كبيرة لأنه طريق تجاري واصل بين شبه الجزيرة العربية والشام، وتحتوي المدائن على أكبر مستوطنة بعد البتراء في المنطقة الجنوبيّة والتي تعود لممكلة الأنباط حيث تفصل بينهما مسافة 500كم، ويعود التاريخ الحضاري لمدائن صالح إلى الفترة التي ازدهرت فيها الدولة النبطية في القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي قبل سقوطها على يد الإمبراطورية الرومانيّة عام 106م، وتضمّ مدائن صالح 153 واجهة صخرية منحوتة بالإضافة للعديد من الآثار الإسلامية.
حسب علم الآثار، فقد سُكنت مدينة الحجر من قبل المعنيين الثموديين في الألفية الثالثة ق.م, ومن بعدهم سكنت من قبل اللحيانيون في القرن التاسع ق.م، وفي القرن الثاني ق.م احتل الأنباط مدينة الحجر, وأسقطوا دولة بني لحيان واتخذوا من بيوت الحجر معابد ومقابر، وقد نسب الأنباط بناء مدينة الحجر لنفسهم في النقوش التي عثر عليها. ولكن مدينة الحجر تحتوي على كمية هائلة من النقوش المعينية واللحيانية التي تحتاج لدراسة رموزها وفكها، ومناطق العلا وديدان والخربية هي آثار لحيانية وأقدمها ربما يعود إلى 1700 ق.م حسب الكتابات, وقد دُمر جزء منها بزلزال, وأما مدينة الحجر فهي آثار المعنيين والتجار الثموديين الأوائل القادمين من جنوب الجزيرة العربية. وفي 2008 أعلنت منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة أن مدائن صالح موقع تراث عالمي، وبذلك يصبح أول موقع في السعودية ينضم إلى قائمة مواقع التراث العالمي.
بنائها : 

الأنباط هم من عمر الحجر

لقد ثبت لدى الباحثين أن الأنباط هم أول من استوطن الحِجر ( مدائن صالح ), وقاموا بتعميرها، ويرى الباحثون أن أصل الأنباط من الجزيرة العربية، وذكر المؤرخ ديودور الصقلي أن الأنباط كانوا بدواً رعاة لا يعـرفون الزراعة أي أنهم غير مستقرين، وأنهم لا يشربون الخمر، وأرضهـم أغلبهـا صخرية وعرة. ومن المعلـوم أن الأنباط قد أسسوا مملكة ضخمة امتدت من عاصمتهم البتراء (سلع) شمالاً إلى الحِجر (مدائن صالح ) جنوباً, ولقد كان أقدم دليل يشير إلى وجود الأنباط يعود إلى القرن التاسع الميلادي، ولقد كان بداية نشأة مملكتهم في مدينة سلع المسماة حالياً بالبتراء, وهي العاصمة السياسية للأنباط . وبعدها قرروا السيطرة على طريق التجارة القديم، فأسسوا عاصمتهم التجارية ( الحجر ). ومن خلال النقوش النبطية المؤرخة في مدائن صالح نستطيع تحديد العمر الزمني الذي ساد فيه حكم مملكة الأنباط، إذ إنه يبدأ من بداية القرن الأول قبل الميلاد إلى منتصف القرن الثاني الميلادي . ولقد واجه الأنباط العديد من المشاكل السياسية والاقتصادية، ولاسيما مع الإمبراطورية الرومانية، ولكن أكبر مشكلة واجهتها مملكة الأنباط وأدت إلى سقوطها واضمحلالها في النهاية هي اكتشاف الرياح الموسمية في القرن الأول قبل الميلاد التي تسببت في اعتماد الدول وأصحاب القوافل التجارية كلية في نقل بضائعهم عن طريق البحر الأحمر، مما أدى ذلك في تأثر الحجر التي كانت تعتمد على مرور القوافل بأراضيها وأخذ الضرائب منها. 
والأنباط شعب قديم استقر في شمال غرب الجزيرة العربية، وكانت لغتهم شكلاً من أشكال الآرامية المتأخرة، مما يظهر تأثراً كبيراً بالعربية. وقبل ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم بسبع مئة سنة امتدت مملكة الأنباط من دمشق إلى البحر الأحمر. وفي عام 63م ضمتها روما، وفي عام 106م حولها الإمبراطور تراجان إلى مقاطعة رومانية مع بقية الجزيرة العربية. ويعزى نجاح الأنباط بشكل كبير لوجود أفضل مهندسي العالم القديم عندهم، فقد استطاعوا تذليل مصادر المياه في المنطقة من خلال شبكة من الخنادق والقنوات والآبار التي كانت تسمى قنوات، ولازال بعضها يستخدم إلى اليوم. وتظهر بقايا مدائن صالح الأعمال الهندسية الرائعة التي اشتهروا بها، وسوف تجد هنا أكثر من 131 قبراً ضخماً منحوتاً على صخور واقفةٍ منفردةٍ وسط عالم متموج من الرمال، وجزر من صخور الحجر الرملي المتحللة التي تآكلت وتموجت لتصبح أشكالاً منحوتة رائعة، وعندما تصل لهذه المدينة الأثرية – شمال غرب المملكة العربية السعودية، بين تبوك والمدينة- بعد الظهر فستبصر منظر الهضاب الذهبية, وخلفها من بعيد حرة عويرض بأرضها البركانية. وهذا أحد أفضل المشاهد في الجزيرة العربية، كما أن أسماء المعالم المحلية بدوية وليست نبطية، غير أن علماء الآثار استخدموها. إذ عرفت مدائن صالح في العصور القديمة باسم الحجر، أو باسمها العربي (حجر).
المعالم الأثرية في مدائن صالح
مدافن جبل المحجر:
وهي عبارة عن ثلاث كتل صخرية تحتوي على أربعة عشر مدفناً نبطياً منحوتين فيها، وتُعرف مدائن جبل المحجر باسم “المنطقة أ”.
مدافن قصر البنت: ت
تكوّن من جبلين حيث يحتوي الجبل الأول على 31 مدفناً والذي يمتدّ من جهة الشمال إلى الجنوب، أمّا الجبل الثاني فهو صغير ويحتوي على مدفنين ويقع في الجهة الشمالية الغربية بالنسبة للجبل الأول، وتسمّى مدافن قصر البنت باسم ” منطقة ب”.
مدافن الجبل الأحمر:
وهي عبارة عن كتلتين صخريتين تحتوي الأولى على 18 مدفناً والثانية على مدفن واحد فقط، وتُعرف باسم “منطقة ج”.
مدافن الخريمات:
وهي عبارة عن تسعة جبال تحتوي على 53 مدفناً، إذ يحتوي الجبل الأول على 5 مدافن تحمل أرقام من (50-54)، ويضمّ الجبل الثاني مدفن رقم 49 فقط، وكذلك فإنّ الجبل الثالث فهو يحتوي مدفن واحد رقم 55 فقط، بينما يحتوي الجبل الرابع على سبعة مدافن من رقم (56-62)، ويحتوي الجبل الخامس أيضاً على ستة عشر مدفناً، والسادس يحتوي على مدفن واحد والسابع يحتوي ستة عشر مدفناً، والثامن يحتوي على خمس مدافن أمّا الجبل التاسع فهو يحتوي على مدفن واحد فقط.
مدافن المنطقة د:
تتكوّن من جبلين يحتوي كلّ منهما على مدفن واحد، وتقع هذه المدافن في منطقة قصر الصانع.
قصر الصانع:
يتكوّن من كتلتين صخريتين حيث تحتوي الصخرة الغربية على مدفن واحد تتميّز شرفته العليا بأنّها مدرجة ينتهي أسفلها بكورنيش، وكذلك فهي تحتوي على تيجان نبطية وفاصل.
قصر الفريد:
ولقد سُمي بهذا الاسم لأنه يقع وحيداً منفرداً في كتلة صخرية مستقلة، حيث يتميز ببنائه المعماري النبطي ذات الواجهة الصخرية والأعمدة الجانبية. مدافن المنطقة السكنية.
ذكر مدائن صالح في القرآن
في عام 2000 قبل الميلاد،بعث الله عز وجل النبي صالح إلى قوم ثمود ليدعوهم إلى عبادته، وهم قوم كان قد أنعم الله عليهم برغد العيش، وكانوا يتمتّعون بمظاهر حضارة وعمران كثيرة، ولكنّهم جاحدين لنِعَم الله عليهم، وكانوا يستوطنون مدينة الحجر. طلب قوم ثمود من النبي صالح الإتيان بمعجزة تُثبت أنّه نبي من الله، فأرسل الله لهم ناقةً، وطلب منهم النبي صالح ألا يؤذوها أو يتعرضوا لها، لكنّهم لم يتّبعوا ما أُمِروا به وقتلوها، وذلك ما جاء في نص الآية الكريمة من سورة الشمس: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا*إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا*فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا*فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا*وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا*)،فعاقبهم الله لإعراضهم عن اتّباع أوامره، بقوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ). ويُعتقد أن مدائن صالح سُميّت كذلك نسبةً إلى النبي صالح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *