وداعاً أيها الزمن الجميل – رئيس التحرير طلال بن علي الضاحي

ما نعيشه اليوم لا يشبه ما كنا نعيشه بالأمس قبل عشرات السنين، وكأنه لا يمت له بصلة، لقد تغير الزمان والمكان، تغيرت كل الملامح وتبدلت الشخوص، نحن نعيش بين ذكريات تاريخ غابر وتقلبات جغرافيا زاحفة، نحن في زمن طغت فيه المادة على كل شيء حتى أصبح الناس لا يتعاملون مع بعضهم إلا بميزان كم معك؟ وأين تعمل؟ ذهب الماضي بلا رجعة، وترك لنا الأطلال والذكريات التي نُفتّش عنها هنا وهناك، ذهب الماضي الذي سميناه الزمن الجميل ونحن على يقين أنه لن يعود أبداً! ما أجملك أيها الزمن الجميل. ليت عقارب الساعة تفتر وتعود للوراء لنراك وترانا. تُرى هل ما زلت تذكرنا أيها الزمن الجميل؟ هل ستعرفنا لو رأيتنا؟ أظنك لو عدت ستحضننا واحداً تلو الآخر تُقبّلنا بين عينينا المحدقتين، وتتحسس أناملنا الصغيرة، وتسمع لثغات ألسنتنا البريئة، وضحكاتنا العالية الجريئة!! عفواً.. هوّن على نفسك أيها الزمن الجميل فلو عُدت فلن تجد من ذلك شيئاً. لقد تغير كل شيء! الناس والبيوت والحقول والشوارع بل وكل شيء. مات الأجداد والآباء والأمهات وكثير من الأحباب والأصحاب الذين كنت تعرفهم، لقد عزّانا في فقدانهم كثيرون إلا أنت.. لم نرَك ضمن صفوف المعزين. أين كنت أيها الزمن الجميل؟ وهل ستعود إلينا من جديد؟ لقد بتنا أيتاماً نصارع نوائب الزمان وتغيرات المكان، لم نعد كما عهدتنا أيها الزمن الجميل صغاراً نلهو ونلعب ونجري، لقد كبرنا وتغيرت ملامحنا، فقد شابت الرؤوس وتجعدت الوجوه، وأُنهكت الأبدان، لقد تباعدت القلوب قبل البيوت؛ فالجار قد لا يعرف جاره، والأخ قد لا يرى أخاه، والابن عاق بأمه وأبيه. ذهبت أيها الزمن الجميل وذهبت معك كل الصفات الرائعة، ولم يبق سوى الذكريات.. ذكريات الطفولة وملامحها الجميلة.. ذكريات الآباء والأمهات ومن فقدناهم من الغالين، كل يوم نتحسس الجدران والزوايا لعلنا نراهم، ونتبع مكان خطواتهم في التراب لعلنا نلمس أثرهم، ونتشمم ملابسهم وحاجياتهم شوقاً لهم، ونتأمل صورهم ونحن نتخيل تقاسيم وجوههم فتأتينا العبرة فنطفئها بالدعوة الصادقة لهم. ذهبت أيها الزمن الجميل وتركتنا فريسةً للتقنية الحديثة التي أشغلت الجميع من كبار وصغار حتى جعلتهم في شبه قطيعة عن بعضهم حتى وإن كانوا في المجلس أو البيت الواحد، ذهبت أيها الزمن الجميل وأخذت معك كل ما هو جميل (التسامح، المحبة، الطيبة، الوصال) يقول البعض: الدنيا ما زالت بخير، ونحن نقول: نعم، ونؤمن بكلامهم. اللهم أدم علينا الخير وعلى بلادنا وبلدان المسلمين قاطبة، ولنجعل زمننا هذا زمناً جميلاً نتحدث عنه وأطفالنا قابل العمر وننعته بالزمن الجميل.

Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

إعلانات

جديد المقالات

جديد المقالات