التحول الوطني والجامعات التنموية

حمد عبد الله اللحيدان

مما لاشك فيه أن التعليم العالي يجب أن يكون له دور رائد في عملية التحول الوطني وهذا بالطبع يتأتى من خلال تكامل المهام الموكلة إلى المراكز العلمية المتقدمة مثل الجامعات والتي من أهم مسؤولياتها التعليم والبحث العلمي والتدريب وخدمة المجتمع واعداد الدراسات المختلفة وهذا يجب ان يوجه بحيث يساهم في عملية التحول الوطني من خلال المساعدة في تبلور مجتمع المعرفة الذي ينشده ذلك التحول، ذلك ان الجامعات المرموقة اليوم لم تعد مدارس تعلم الطلبة من أجل العلم فقط بل أصبح لها هدف آخر هو تخريج قوى بشرية على قدر من المعرفة المهنية المناسبة لسوق العمل والقادرة على التكيف مع نموه وتطور المعرفة التي تغيرت أسسها ومتطلباتها خلال العقدين الماضيين بحيث أصبح الخريج الذي يتلقى معلومات نظرية أو شبه نظرية دون تطبيق عملي عن العلوم والتقنية لا مكان له في سوق العمل ولا يمكنه الحصول على عمل الا بإعادة تدريبه من جديد وهذا الامر كان من الأجدى أن يتم خلال مرحلة التعليم في الجامعة لان ذلك الامر اصبح اليوم من مسؤوليتها رضينا بذلك أو لم نرض ناهيك عن ان هذا التوجه أصبح سائداً في الجامعات العالمية التي تنشد المحافظة على سمعتها ومكانتها من جهة، والمحافظة على حصتها من الطلاب الذين بدأت تستقطبهم مراكز التدريب المختلفة من جهة اخرى لذلك اتجهت الجامعات الى تقديم برامج التعليم والتحديث والتدريب بصورة متكاملة وذلك ايمانا منها بأن من لم يجد التعامل مع التقنية فهما وتطبيقا فإنه يصنف على انه جاهل.

هناك جدل حاد يدور رحاه هذه الأيام في الأوساط الأكاديمية بين المحافظين والليبراليين في اروقة جامعات الدول المتقدمة حيث يدعو أصحاب التجديد إلى توجيه الحرم الجامعي نحو خدمة المنظومة التنموية مباشرة..

أما البحث العلمي الرصين فإنه أصبح من أكبر المسؤوليات المناطة بالجامعات ومراكز أبحاثها حيث اصبحت الأبحاث لا تقوم على المبادرات الشخصية في الجامعات المتقدمة بل تقوم على مشروعات وخطط مبرمجة لها اهداف وغايات محددة وتدعمها جهات مستفيدة وضمن برامج موجهة لخدمة خطط التنمية وخدمة المجتمع؛ وحيث إن البحث العلمي ينقسم إلى عدة أقسام لعل من أهمها البحث الأساس والبحث التطبيقي والدراسات والاستقصاء وكل منها له أهميته إلا أن البحوث التطبيقية لها اليد الطولى ولذلك يلزم وجود جهات تدعمها من ناحية وتتبنى وتستفيد من نتائجها من ناحية أخرى سواء أكانت تطويرية ام ابداعية ام ابتكارية ام توطينية.

ومع ازدياد نسبة الجانب المظلم للبحث العلمي وأعني ذلك الموجه للأغراض العسكرية تبرز التساؤلات حول مسؤولية العلماء وأهمية توجههم الى التركيز على الأعمال البحثية التي ترقى بالإنسان وتخدمه ولا تدمره إلا أن المشكلة تتمثل في أن أغلب نتائج البحوث العلمية المفيدة يمكن تحويرها بسهولة إلى الاستعمالات العسكرية عند الحاجة ناهيك عن أن الدعم السخي للبحوث التطبيقية في الدول المتقدمة يأتي في الغالب من المؤسسات العسكرية أو شبه العسكرية أو تلك التي تبيع نتائج أبحاثها إلى تلك المؤسسات.

إن الجامعات الفعالة في مجتمعات الدول المتقدمة والرائدة في مجال التعليم والبحث العلمي تتحلى بقدر جيد من الاستقلالية والقدرة على التجهيز الذاتي ولذلك أصبحت أقدر على تقديم العطاءين الحضاري والتنموي على حد سواء من خلال الابداع والابتكار والبحث والتطوير ومثل هذا النوع من الجامعات يمكن تسميته بـ “الجامعات التنموية” لانها تهتم في تنمية الحس المعرفي للمجتمع لأن الذي يقود حراكها عقلية الابتكار لمصلحة الإنسان ومصلحة الوطن ومثل تلك الجامعات هي ما يجب ان تقتدي به جامعاتنا لكي تكون أقدر على تقديم العلم النافع الذي ذكره الدعاء النبوي الشريف “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها” الحديث.

نعم الجامعات التنموية هي تلك الجامعات التي ترصد الحراك الوطني في الداخل والتقدم العلمي في الخارج وتعمل كجسر للوصل بينهما مع العمل على توطين المعرفة وجعلها تراكمية داخل الوطن من خلال الاضافة عليها وتحمل عبء حل المشكلات القائمة وتقديم الحلول المبتكرة وتبني الافكار الرائدة وذلك باعتبار ذلك يمثل الرسالة الحقيقية للجامعات مما يجعلها رأس حربة في مجال اعداد رأس المال البشري الذي نحن في أمس الحاجة اليه والذي تمثل قدراته ومهاراته اساس التحول الوطني الذي ننشده على المدى المتوسط والبعيد.

وعلى أي حال فإن هناك جدلا حادا يدور رحاه هذه الأيام في الأوساط الأكاديمية بين المحافظين والليبراليين في اروقة جامعات الدول المتقدمة حيث يدعو أصحاب التجديد إلى توجيه الحرم الجامعي نحو خدمة المنظومة التنموية مباشرة، مثل تقديم المشورات وحل المشكلات التنموية والتدريب من خلال التواصل بين الحرم الجامعي والصناعة الوطنية ناهيك عن ايجاد الحلول المبتكرة من خلال تكوين شراكة حقيقية بين تلك الأطراف، ولكي يتحقق هذا النهج لابد للجامعات من اتباع نظام متقدم للحرفة العلمية ذلك أن الجامعات هي القمة التي يلتقي عند ذروتها كل شيء يساعد على ازدهار التعليم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى خصوصاً في مجتمع الإسلام الذي يعتبر السعي في طلب العلم جهاداً في سبيل الله ولاشك أن هذا الأسلوب هو الطريق الصحيح لتحقيق رؤية (2030) التي ننشدها. ومهما تكن الظروف والمعوقات فإن هناك إجماعا شبه عالمي لدى الخبراء ومخططي السياسة التعليمية في العالم يشير الى أنه لا مناص من حدوث تسارع في عملية إعادة تجديد “ماهية الجامعة” خصوصاً ونحن نرى دول العالم المتقدم تسابق الزمن لمواكبة كل مستجد مفيد والأخذ بزمامه. وهذا يعني أن الجامعة يجب ألا تكون صورة طبق الأصل للمجتمع الذي تعيش فيه لأنها ان صارت كذلك فإنها لن تستطيع أن تقود عملية الاصلاح والتطوير والتحديث بما يتوافق مع الثوابت وليس مع الاعراف السلبية التي ما انزل الله بها من برهان خصوصاً اننا نعلم ان منظور القرن الجديد للجامعة يختلف اختلافاً جذرياً عن منظورنا المحلي لها وذلك ان السمة الأساسية لجامعات القرن الحادي والعشرين يتمثل في استقلاليتها لان هذا ينطلق من كونها مؤسسات للتعليم والتدريب والبحث والتطوير وخلق المعرفة ونشرها والاستفادة منها مما يجعلها تخرج اجيالا من القادرين على إتقان نظام علمي ثقافي متطور ومتجدد يرافقهم مدى حياتهم ذلك أن مهمة التعليم السليم هي ان تجعل الفرد قادرا ذاتيا على تطوير نفسه وانتاجيته وتحسينها في أي موقع يعمل فيه وهذا هو أول أبجديات التحول الوطني. ناهيك عن التعليم والتدريب المستمر مدى الحياة هو المفتاح لاي نجاح.

نعم نحن نقول ذلك لاننا نرى أن الدول العربية مجتمعة أو كل واحدة منها على حدة تعتمد حتى اليوم اعتماداً كلياً أو شبه كلي على مصادر المعرفة والخبرة والمعدات والآلات المستوردة من الدول المتقدمة التي من مصلحتها عدم تطور البحث العلمي في البيئات الوطنية وذلك لضمان استمرار تلك البيئات أسواقاً مفتوحة لمنتجاتها اما توطين التقنية في الدول العربية فانه يحول دون تحقيقه عدة عوامل بعضها داخلية تتمثل في عدم الجدية وغياب الوعي وعدم التنظيم وعدم حسم الأولويات وعدم وجود جهات محددة تنسق مثل ذلك التوجه وترعاه. ناهيك عن تواضع مخرجات التعليم العام كما ان هناك بعض العوامل الخارجية التي تتمثل في احتكار الدول المتقدمة للتقنية حتى تتقادم ناهيك عن أن الصهيونية تحارب الدول العربية من خلال جعل الشركات الاحتكارية التي تدور في فلكها تمتنع عن تقديم أي تسهيلات تتعلق بالتقنية المتقدمة.

وما حظر تصدير كثير من الأجهزة والمعدات المتقدمة والمواد الكيماوية النادرة الا فيض من غيض وإن وجدت المبررات المختلفة فإن الهدف واحد وهو الحيلولة دون فقد اسواق وتصريف منتجاتها وهذا يعني اننا لن نحصل على التقنية المتقدمة من خلال الشراء أو التودد لكننا سوف نحصل عليها إن سلكنا دروب توطين العلم والمعرفة وحولنا جامعاتنا إلى جامعات تنموية قادرة على حمل لواء العلم والمعرفة فمثل تلك الأمور تؤخذ غلابا وان وقفت بعض المعوقات دون ذلك، وفي ذلك يقول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

إن الذي يريد أن يصل إلى هدف معين عليه ألا يتوقع أن خصمه سوف يساعده، فالدول العربية عليها أن تزيل من تفكيرها أن الاخرين سوف يساعدونها لكي تصل إلى مستواهم ما وسعهم إلى ذلك سبيلاً، ليس هذا فحسب بل إن أكبر المعوقات عدم توثيق التواصل بين المجتمع العلمي “الجامعات” والمراكز الصناعية والتنموية في القطاعين العام والخاص من ناحية ومراكز الإنتاج والخدمات التي تسهل عملية توظيف إنجازات البحث العلمي وتحويلها إلى منافع اقتصادية من ناحية اخرى وذلك بسبب وجود فئات تعمل على تهميش هذا النشاط والتقليل من أهميته أو زرع المخاوف من وجوده وترعرعه من خلال اعتبار ذلك نوعا من انواع الترف العلمي الذي يمكن شراؤه من السوق بسعر أرخص.. ومثل هؤلاء عندما يديرون المراكز العلمية أو يستشارون في مستقبلها يصبحون كارثة على توطين التقنية وعلى العملية العلمية والبحثية ومستقبلهما بل على المؤسسات التي يديرونها. ناهيك عن التعامل مع الجامعات الوطنية على اساس زامر الحي لا يطرب ولهذا يتم طلب المشورة من شركات استشارية عالمية تتقاضى مليارات الريالات مقابل معلومات نزودها بها ثم تعيد ترتيبها وتقدمها لنا مرتبة بشكل احترافي وذلك مثل مكانزي واخواتها وبهذا الاسلوب تظل الخبرة المحلية دون تطوير.

واليوم وبعد مرور أكثر من ستين عاماً على استقلال الدول العربية لم تتبلور فيها سياسة محددة للاهتمام بالبحث العلمي ودعمه بسخاء وأكاد أقول ان هذا يشمل جميع التخصصات إلا ما ندر على الرغم من وجود أعداد كبيرة من الجامعات إلا أن اغلب تلك الجامعات لا تعدو صورة مكبرة للمدارس الثانوية ذلك أن مقومات الجامعة من حيث الكم موجودة أما من حيث الكيف فهي مفقودة ولذلك فإنها تحتاج إلى جهد كبير لكي تصل إلى مستوى الجامعات العالمية الكبرى في الدول المتقدمة والظريف في الأمر أن الاهداف والرؤى المكتوبة في كثير من تلك الجامعات جيدة وقد تضمنت مؤشرات تؤكد على دور الجامعة وفلسفتها بصورة جيدة وجلية وواضحة إلا أن النصوص لا تجد طريقها إلى التطبيق والسبب في الغالب أن من يتولى أمر تلك الجامعات هم من المكتبيين الذين يديرون الأمور ورقيا من على مكاتبهم. ناهيك عن القيود الادارية التي تمنع الحراك الايجابي.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول اننا في المملكة العربية السعودية قد قطعنا شوطاً ممتازاً في نشر التعليم بشقيه العام والعالي والصرف عليهما بسخاء حتى أصبح عدد الطلاب والطالبات يربو على خمسة ملايين في جميع مراحل التعليم ونتيجة لذلك أصبحت مخرجات التعليم تدفع بأعداد هائلة إلى سوق العمل الا ان اسلوب اعدادها لا يواكب متطلبات ذلك السوق الذي بدوره لم يستعد لاستقبال تلك الأعداد من حيث عدد الفرص المتاحة ناهيك عن تواجد العمالة الاجنبية وما يترتب على وجودها من سلبيات من اهمها حجب فرص العمل امام المواطن وهذا يدعونا إلى أن نتوقف ونبحث عن الخلل في كلا الجانبين وهما كفاءة الخريجين من ناحية واعداد الفرص الوظيفية المتاحة في سوق العمل من ناحية اخرى وهذا لا يتم إلا بالمواءمة بين الجانبين بحيث يصبح كل منهما مكملا للآخر وهذا بالطبع من اهم اهداف مشروع التحول الوطني ورؤية (2030) اللذين سوف يأخذان على عاتقهما تطوير التعليم بشقيه العام والعالي بما يتناسب مع مرحلة التحول الوطني المنشود.

نعم تحويل جامعاتنا وجميع مؤسسات التعليم العالي لدينا يجب ان يتحول إلى أسلوب “الجامعات التنموية” وذلك من خلال اعادة النظر في الأسلوب المتبع لاعداد الطلبة في مراحل التعليم العام والعالي من حيث المنهج والأسلوب والوسيلة والغاية ومن حيث الهدف والكم والكيف.

ليس هذا وحسب بل ان اعادة النظر بالأسلوب المتبع في اختيار من يقوم على الإدارة الجامعية يعتبر أمراً مهماً ذلك أن القدرة الإدارية وسعة فكر وبعد نظر وثقافة من تناط به تلك المسؤولية يجب أن تكون على رأس الأولويات التي تميزه عن غيره. ناهيك عن أن قدرته على خلق وبث روح فريق العمل داخل أروقة الجامعة والقدرة على الفرز وتحديد ما هو أولي وما هو ثانوي وعدم الاستئثار بالقرار مهما صغر بالإضافة إلى وضوح الرؤية والقدرة على التجديد والتطوير واختيار الأكفأ لشغل المواقع القيادية مع منحهم الثقة والصلاحيات التي تمكنهم من إدارة دفة العمل مما ينعكس إيجاباً على خلق مفهوم الجامعات التنموية التي تنتج المعرفة وترعاها وبالتالي تساهم في عملية التحول الوطني.

نعم إن القيادة الإدارية والعلمية والبحثية والأكاديمية الصحيحة والقادرة على خلق مفهوم الجامعات التنموية يعتبر ذا أولوية قصوى لمن يريد أن يجعل من الجامعات وحدات فاعلة في توثيق العلاقة بين القيادة والشعب وذلك من خلال خلق مفهوم التعلم من أجل الانتاج وبالتالي يؤسس له ويعمل من أجله ناهيك عن جعل المواطنة شعارا ملموسا في كل فعل وفعالية ينشدها سواء تعلق ذلك بالطلاب أو أعضاء هيئة التدريس أو الطاقم الإداري والفني..

نعم إن مسؤولية الجامعات التنموية كل متكامل لا يمكن أن يتجزأ وهي المسؤولة والمؤهلة لقيادة المجتمع لكي يتحول الى مجتمع معرفي قادر على المساهمة في التحول الوطني وتحقيق رؤية (2030).

والله المستعان

Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

إعلانات

جديد المقالات

جديد المقالات