القاهرة التي في خاطري

مشاري عبدالله النعيم

لا يمكن أن أقول إن القاهرة مدينة واحدة، ولعل هذا أمر طبيعي فكل المدن المعاصرة تحولت منذ أمد بعيد إلى مركب مدن لها خصائص اجتماعية واقتصادية وعمرانية تميزها عن بعضها البعض

على كبري قصر النيل وبعد أن اجتزنا تمثال الزعيم سعد زغلول وهو ينظر جهة القاهرة التاريخية، علق الدكتور عادل اسماعيل (وهو من مؤسسي برنامج العمارة في جامعة الملك سعود في نهاية الستينيات الميلادية في حي عليشة بالرياض) وقد كنا في طريقنا إلى مكتبه في “الدقي”، على ميدان طه حسين الذي بدأ يظهر أمامنا وقال إن تمثال طه حسين الموجود في الميدان غير مناسب وإن زميله الفنان “عبدالهادي الوحيشي” رحمه الله قد كان جهز تمثالا لعميد الأدب العربي كان الأولى أن يكون مكان هذا العمل السيئ.

قلت له، وماذا بقي من القاهرة التي نعرفها أصلا حتى تتحسر على هذا الميدان أو ذاك العمل الفني، وذكرت له أنني مررت بميدان أم كلثوم في الزمالك وأنا في طريقي لمقابلة وزير الآثار المصرية وقد راعني إعطاء الناس ظهورهم لهذا الميدان وتمثال كوكب الشرق يقف وحيدا لا أحد ينظر اليه أو يعطيه أي اهتمام.

ما الذي حدث حتى تتبدل القاهرة التي نعرفها إلى هذا الكم الهائل من العمران ومن الناس الذين لم يعرفوا هذه المدينة على حقيقتها.

في اليوم الذي سبق لقائي مع الدكتور “اسماعيل” كنت في اجتماع في الجامعة العربية لإقرار ميثاق التراث العمراني في الدول العربية الذي عمل عليه الأمير سلطان بن سلمان منذ عام 2004م وقد أقر ولله الحمد في هذا الاجتماع ومعه ميثاق آخر هو ميثاق الأرشيف العربي “أرابيكا”، وهذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها مبنى الجامعة فقد كنت أشاهده من الخارج وأراه مبنى عاديا جدا لكن موقعه من التحرير ومن مبان مهمة ومفصلية ووقوعه على امتداد كوبري قصرالنيل كان يجعلني أشعر أن من اختار الموقع قد وفق كثيرا وأنه أعطى للقاهرة رونقا خاصا.

المبنى من الداخل مختلف يحمل الهوية العربية أكثر من الخارج والبهو الرئيس بعقوده المطلة على الحديقة الخارجية يعطي احساسا بالعروبة، وتأكد لدي أن العمارة ذات الهوية المميزة يمكن أن تحرك الشعور بالانتماء فقد شعرت أنني أنتمى لهذا المبنى بمجرد دخولي للبهو ومشاهدتي لأعلام الدول العربية.

موقع الجامعة العربية وميدان التحرير وكل البيئة العمرانية المحيطة بهما تتداعى وكأن القاهرة لا تريد أن تحافظ على ذاكرتها الجميلة، وكأنها تريد أن تتبدل مع تبدل سكانها وتغير أولوياتهم وتطلعاتهم.

من يعشق هذه المدينة لم يعد موجودا، أو أنه انزوى في ركن ظليل بعيدا عن مسمع ومرأى الثقافة والادب والعمارة فهو يرى كيف تتقطع مدينته إلى أوصال وكيف بدأ يهجرها سكانها إلى الضواحي البعيدة التي ليس فيها من القاهرة إلا الأسم والامتداد الجغرافي، بينما تركت المدينة التي نعرفها تتداعى عمرانيا بشكل مخيف.

قال لي الدكتور عادل إن “القاهرة بحاجة إلى عملية تجديد حضري دقيق” قلت له هل يمكن أن تجدي هذه العملية فعلا، ألا تعتقد أن المسألة تجاوزت التركيبة الحضرية إلى التركيبة السكانية وذكرته بالدراسات التي عملتها “جانيت أبو اللغد” عن “التريف الحضري” Urban Villages الذي بدأ يشكل ظاهرة في نهاية السبعينيات الميلادية ولم يتم عمل أي شيء حياله.

لقد أشرت له أنني زرت حي “الشرابية” (وهو أحد الأحياء المتريفة التي أجرت عليها جانيت دراساتها) في مطلع التسعينيات وراعني ما شاهدت لأنه يستحيل أن يكون هذا النمط الاجتماعي والعمراني وسط مدينة عريقة مثل القاهرة التي كانت ثاني أجمل مدينة في العالم قبل عدة عقود.

ومع ذلك ليست كل الأحياء “المتريفة” بالسوء الذي قد يتصوره القارئ، لولا الضغوط السكانية المستمرة على هذه الأحياء التي تجعلها أشبه بالعشوائيات منها بالأحياء التي نمت عفويا مع الزمن. بالنسبة لي أذكر أحياء القاهرة القديمة جيدا وهذه المرة رتبت لنا وزارة الآثار زيارة لعدة مواقع في القاهرة القديمة منها شارع المعز والتطوير الذي يمر به، ورغم أنني زرت هذا الشارع مرات لا تحصى إلا أنني أجد فيه روحا لا أجدها في مكان آخر في القاهرة.

لقد لاحظت هذه المرة أن هناك جدية كبيرة لاستعادة قلب القاهرة فقد توقفنا في وكالة “قيتاباي”عند باب النصر التي يجري ترميمها الآن كي تكون فندقا تراثيا يضم 24 جناحا. هذا التوجه الاقتصادي للتعامل مع الاحياء القديمة لم يكن موجودا في السابق ولعل هذا يكون بداية الحل للأحياء المتداعية التي تعيق نمو المدينة فعليا.

وكان من الضروري أن نعرج على “متحف الحضارات الجديد” في الفسطاط الذي يطل على بحيرة عين الصيرة الكبريتية ويقف جبل المقطم كخلفية “سوريالية” خلف البنايات والمقابر التاريخية تحته والمقابلة لمبنى المتحف.

المكان لم يجهز بعد لكن الموقع عبقري لأنه سيعيد ترابط النسيج الحضري من جديد في قلب المدينة القديمة وهو يؤكد الامكانات العبقرية التي تحتويها القاهرة على المستوى العمراني، لكنها بحاجة إلى تبصر وهدوء لاكتشافها والتعامل معها. المتحف عندما يشتغل سيكون محطة عمرانية/ذهنية مختلفة لمن يعشق مشاهدة القاهرة القديمة بمآذنها وقبابها وناسها وألوانها.

في اليوم التالي قررت وزميلي عبدالله آل الشيخ الذهاب لـ “روض الفرج” وهو حي مشهور جدا في القاهرة وكان مركزا للمسارح، كنا نريد الذهاب إلى “صبحي الكبابجي” وليس إلى المسارح أو المراكز الثقافية التي لم يبق منها شيء في الحي سوى مبنى جميل لقصر الثقافة تحول جداره الخارجي إلى لوحة “جرافيتية” في وسط حي شعبي متهالك.

ذكرني الحي بفيلم الفتوة لفريد شوقي في مطلع الخمسينيات وكيف أن هذا الحي كان أهم سوق خضار قبل أن ينقل السوق إلى منطقة العبور. عندما وصلنا “الكبابجي” وجدنا أن الحي بأكمله تقريبا قائم على هذا المطعم وأن الشوارع تحولت إلى قاعات للطعام. طبعا فقدنا الأمل في أن نجد لنا مكانا نأكل فيه فقد كانت جميع الطاولات في الشوارع المحيطة بالمطعم مشغولة، حتى إنني لم أعرف أين المطعم أصلا وقررت وزميلي الانسحاب بهدوء والخروج للبحث عن سيارة أجرة التي لم يكن من السهولة الحصول عليها في هذا المكان. ذكرت لزميلي أنني أتيت لهذا المطعم قبل عشرين سنة تقريبا وكان أكثر هدوءا ورقيا. لقد كان واضحا بالنسبة لي أن المهاجرين من الريف شكلوا ضغطا على بنية الحي العمرانية وتحول إلى قرية ريفية وسط المدينة مثله مثل كثير من الاحياء الشعبية التي عندما تدخلها تنفصل كليا عن القاهرة التي نراها عبر الطرق الرئيسية.

لا يمكن أن أقول إن القاهرة مدينة واحدة، ولعل هذا أمر طبيعي فكل المدن المعاصرة تحولت منذ أمد بعيد إلى مركب مدن لها خصائص اجتماعية واقتصادية وعمرانية تميزها عن بعضها البعض، لكن ظلت العناصر العمرانية والثقافية التي تشكل ذاكرة المدينة ككل حاضرة وقوية ومحافظا عليها.

الخطر الذي يهدد القاهرة هو تراجع هذه العناصر واختفاؤها وسط هذا الكم من العمران الفوضوي.

العناصر موجودة لكن لا أحد يراها أو يهتم بها لأنها لم تعد جزءا من ذاكرة السكان الجدد، فلا تتوقع من سائق سيارة أجرة أو رجل يمشي في الشارع أن يدلك على مكان كان في يوم له قيمة اجتماعية وعمرانية، فمن كانوا يفهمون القاهرة، المكان والمدينة، لم يعودوا هم من يسكنونها.

Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

إعلانات

جديد المقالات

جديد المقالات