أقرب وصف يمكن أن تطلقه على رحلتك إلى المتحف الوطني في الرياض أنها غوص في أعماق التاريخ. إذ من خلال العرض المتحفي تمر برحلة زمنية موغلة بالتاريخ والإرث الحضاري الإنساني، عبارة عن مراحل زمنية مختلفة ومجالات متعددة، تسرد من خلال ثمان قاعات أولها قاعة الإنسان والكون الواقعة في الدور الأرضي،  والتي تتحدث عن التغيرات في كوكب الأرض، وقدرة الله سبحانه وتعالى في خلق هذا الكون البديع، من خلال عروض بالفيديو والصور العملاقة، كما تحوي نماذج لمجموعة من الحيوانات المنقرضة في الأزمان الغابرة.

وتؤدي هذه القاعة بدورها إلى القاعات السبع الأخرى منها قاعة الممالك العربية التي تستعرض هذه الممالك من خلال عرض مقتنيات وصور، ومجسمات تحاكيها، ثم قاعة العصر الجاهلي الذي يستعرض تلك المرحلة من التاريخ العربي، ويمر من خلالها بأصوات الشعراء العرب ومعلقاتهم التي تضج في المكان بطريقة رائعة.

فجأة يجد الزائر نفسه في قاعة البعثة النبوية التي ترصد تلك المرحلة التاريخية للإنسانية والتي تمثلت في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعرض مجسمات وصور لمواقع البعثة، والأماكن التي مر بها – عليه أفضل الصلاة والسلام – قد أن يدخل الزائر قاعة العصر الإسلامي الزاهر، مبتدئا بسماع صوت ينساب بأهازيج (طلع البدر علينا من ثنيات الوادع).

هناك قاعة تصف أوضاع الجزيرة العربية خلال القرون الماضية، قبل أن تصل إلى قاعة الدولة السعودية الأولى والثانية عبر سرد مسيرتها التاريخية في عرض تلفزيوني مدعوم بالصوت والصورة.

يصل الزائر قبل نهاية رحلته إلى قاعة  توحيد المملكة العربية السعودية، التي تستعرض رحلة التوحيد من خلال رصد تاريخي ومتحفي، يكشف حجم النقلة التي عاشتها وتعيشها المملكة حاليا.

وهناك قاعة تحكي تطور الحرمين الشريفين على مر العصور، حيث تحاكي العروض تاريخ أرض المملكة ابتداءً من بيئتها الطبيعية مروراً بالحضارات التي قامت على أرضها منذ عصور ما قبل التاريخ من خلال القطع الأثرية، ونماذج للمباني القديمة، ومباني التراث العمراني، وبعض مكتشفات الحفائر الأثرية التي كشفتها الفرق الأثرية في جميع مناطق المملكة.

وتحاول الجهات المعنية إضافة ما يمكن إضافته من اكتشافات تاريخية إلى المتحف، وفي هذا الإطار يمكن للزائر أن يطلع على واحدة من أشهر القطع التي يعرضها المتحف وهي ما يسمى ” بكنز الملكة المجهولة ” والذي يعد اكتشافًا أثريًا مهمًا وتعود قصة اكتشافه إلى الحفريات التي  قامت بها احد الفرق الوطنية جرت في موقع ” ثاج ” بالمنطقة الشرقية.

يشار إلى أن المتحف الوطني يعتبر واجهة حضارية تبرز البعد الحضاري للمملكة ويجسد ثقافتها عبر العصور، إلى جانب دوره في تنشيط الحركة  السياحية الثقافية. ويؤدي المتحف الوطني دوره التربوي والتعليمي من خلال بعض الورش التعليمي والبرامج الخاصة بالتربية المتحفية.

ويفد إلى المتحف مجموعات كبيرة من الزوار سواء من داخل المملكة لمواطنين ومقيمين والتي تزداد بشكل تصاعدي خلال فترات الإجازة والأعياد، بعد أن قامت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بزيادة  التعريف به وبمحتوياته، وتنظيم عدد من الأنشطة والفعاليات المقامة فيه أدت إلى تحول ثقافي في نظرة المجتمع للتراث الوطني، وتعزيز الوعي بقيمته، أو الزيارات القادمة من خارج المملكة لوفود وشخصيات ذات تأثير على المستوى الدولي.