اليوم الوطني قيم وثوابت وشكر وانتماء وفخر ووفاء وتفاؤل

أ. د. سليمان بن عبدالله بن حمود أبا الخيل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

ففي مثل هذا اليوم الأول من برج الميزان، الموافق هذا العام اليوم الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة، من عام سبعة وثلاثين وأربع مئة وألف من الهجرة، والمسلمون قد وقفوا في عرصات المناسك، وأدّوا الركن الخامس من أركان الإسلام، وغمرتهم مشاعر الغبطة والسرور، والفرحة والحبور بما أتم الله عليهم من نعمه، وما أفاض عليهم من رحمته ونفحاته، يسألون ربهم أن يكون حجهم مبروراً، وأن يرجعوا منه كيوم ولدتهم أمهاتهم، متطلعين إلى بشارة نبيهم صلى الله عليه وسلم لمن حج البيت بلا رفث ولا فسوق أن يرجع كيوم ولدته أمه، ويشكرون قيادة المملكة العربية السعودية على ما قامت به من جهود كبيرة وأعمال جليلة في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، تمر علينا مناسبة تتجدد ذكراها في كل عام، وهي ذكرى اليوم الوطني المجيد للمملكة العربية السعودية، وتمر في هذا العام على الحجاج بعد انقضاء حجهم، فنتذكر ويتذكرون ما كان يقاسيه الآباء والأجداد حينما كانوا يفدون إلى هذه البقاع الطاهرة، وينتقلون عبر البراري والقفار، من المشقة والعناء وغلبة الخوف وتسلل شعور اليأس من كثرة ما يسمعون من الحوادث المحزنة والوقائع المخيفة، بسبب ما كانت تعيشه الجزيرة العربية قبل توحيدها على يد القائد المجاهد البطل الفاتح الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -غفر الله له-، من حالة سيئة دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية، حيث قد شاع فيها السلب والنهب والفقر والخوف، مع ما واكب ذلك من عصبية جاهلية وتفاخر وتناحر، وشقاق ونزاع وخلاف واختلاف، عم وطم وشاع وذاع، حتى أصبح أهلها شذر مذر، للظلم بينهم جولة، ولقطاع الطرق صولة وسطوة، وللبدع والخرافات والجهل ظهور ونشوة مما لا يأمن الإنسان معه على نفسه وعرضه ودينه وماله، وهذا بصفة عامة، أما حال قاصدي الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة للحج أو العمرة أو الزيارة بصفة خاصة فهو محزن مبكٍ؛ قتل وسلب ونهب، القوي يأكل الضعيف والغني يستبعد الفقير، تخرج القافلة المكونة من العدد الكبير إلى الحج فقد تصل إلى البلد الحرام وقد لا تصل، وبالتالي فإن من يعود إلى أهله من أداء نسكه يكون في حكم المولود من جديد، عرفنا ذلك من الكتب، وسمعناه من آبائنا يحكونه عن آبائهم وأجدادهم الذين عايشوا تلك الحقبة، ثم إنه من توفيق الله ثم إخلاص المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- صاحب الأيادي البيضاء، والمجد التليد، الذي بذل نفسه وولده وماله من أجل إعلاء كلمة التوحيد، وترسيخ المعتقد الصحيح والمنهج السليم، وتطبيق شريعة الله، وتنفيذ حدوده وأحكامه، تبدل الخوف أمنًا، والفقر غنى، والظلم عدلاً، وتبددت سحب الظلام، وانكشفت بحمدالله الغمة، وانفرجت الكربة، واطمأن الحاج، وتوسعت الدنيا على المحتاج، وانحسر أهل الشر والفساد، وفرَّ الأشرار وأرباب العناد، واندحر أصحاب الجور والهوى والشهوة والشبهة، وأنار التوحيد الخالص أرجاء الجزيرة بل تعداها إلى أنحاء المعمورة، وفاح عبق المعتقد الصحيح الممتزج بسلامة المنهج في كل شبر من بلادنا الحبيبة.

ولأن المملكة العربية السعودية مهبط الوحي، وقِبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم يتوجهون إليها في صلواتهم ونوافلهم، ومتطلع أفئدتهم، ومقصدهم لأداء مناسك الحج والعمرة أو الزيارة فقد صرف جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -رحمه الله- جلّ عنايته، وفائق اهتمامه، وكبير جهده، ومعظم وقته في خدمة الحرمين الشريفين من توسعة وتهيئة لكل ما هو ممكن في جميع المجالات من أجل أن يستطيع قاصدو الحرمين الشريفين تأدية مناسكهم وشعائرهم وعباداتهم بيسر وسهولة واطمئنان وأمن وأمان، واستمرت هذه الجهود المباركة، والنظرة الخاصة، والمتابعة الدقيقة الصادقة من قبل أبنائه البررة الميامين حتى تقلد زمام الأمور، وولاية الأمر، وإدارة سدة البلاد من لقب نفسه بخادم الحرمين الشريفين حبًا لهما، وإخلاصًا لدينه، ووفاءً لعقيدته، ورعاية لوطنه وأبنائه بصفة خاصة والمسلمين بصفة عامة، واستمرارًا للعطاء، ومواصلة للجهود المباركة الخيرة التي بدأها ووضع لبنتها الأولى الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن -رحمه الله- حتى آتت ثمارها اليانعة ونتائجها السارة في هذا العهد الزاهر الميمون عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- الذي تلاقى فيه تراث الأجداد التليد العتيد بوفاء الأبناء والأحفاد المجيد، فاتضح من خلاله قوة الأسس، وسلامة البناء، وصدق التوجه المفعم بصحة المعتقد والتوحيد الخالص، إلى صدق الولاء وسلامة المنهج، ولذلك فإن كل من أدَّى مناسك الحج في العصر الحاضر يرى ما يثلج الصدر، وترتاح له النفس، وتقر به العين، ويلهج بسببه اللسان بالدعاء لمن قاموا عليه، وتابعوه وعملوا على بذل جهودهم وإمكاناتهم المادية والمعنوية من أجل إنجاحه، فظهر الحج دائمًا منظمًا، مرتبًا، متسلسلاً، ناجحًا نجاحًا باهرًا، منضبطًا في حركة سياراته ومشاته، ومراقبته مراقبة دقيقة من حيث أماكن اختناقاته، مما يجعل الجميع يثنون ويشكرون ويدعون لولاة أمر هذه البلاد.

كما أن اليوم الوطني في هذا العام يتزامن مع منجزات عظيمة ونجاحات كبيرة لوطننا الغالي، كان آخرها ذلك النجاح المبهر المفرح لموسم الحج الذي وقف خلفه بعد توفيق الله قيادة فذة، وأعمال جبارة في الحرمين والمشاعر، ورجال محبون من أبناء هذا الشعب الوفي وجنوده ورجال أمنه البواسل، وما سبق هذا من منجزات ونجاحات تمثلت في تلك المواقف البطولية من ملك الحزم والعزم التي ظهرت لنصرة الأشقاء في الوطن العربي بعامة وفي دول الجوار بخاصة مما جعلهم يعلقون آمالهم بوطن الشموخ والعطاء، ويستبشرون بالنصر الذي بدت تباشيره في يمن الحكمة والإيمان، وبالوحدة التي قاد التطلع إلى تحقيقها تلك الوقفة الشجاعة من ملك قوي وقائد شجاع قيضه الله في ظرف استثنائي، وفي منحنى خطر، وقد تكالبت قوى الشر وجماعات الغلو، وظهرت مطامع الصفويين وأحلامهم التي يبنونها على جهودهم الشريرة، وأدواتهم من جماعات وتنظيمات ليصلوا بها إلى الفوضى الخلاقة، وهو سلمان الحكمة والحزم، الذي تمثل حكمة والده المؤسس: (الحزم أبا اللزم أبا الظفرات، والترك أبا الفرك أبا الحسرات)، وأعلنها موقفاً يشكره كل مسلم وكل عربي، ونجني ثماره قوة لهذا الوطن، وعزة للمسلمين، وائتلافاً ووحدة أجهضت مشاريع إيران ومن يدور في فلكها، وقاد إلى نجاح آخر كبير تمثل في تشكيل تحالف إسلامي دولي لمحاربة الإرهاب، ولم تتوقف هذه القيادة الفذة التي اشتهرت بعلو الهمة ومواصلة العطاء، عند هذه الإنجازات بل تعدتها بتخطيط بديع يستشرف المستقبل، وأعلنت عن رؤية المملكة العربية السعودية (2030)، تلك الرؤية العظيمة الطموحة المتفائلة بمستقبل أكثر إشراقاً وقوة لبلد المجد والعلياء، التي أطلقها وباركها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وتصدرتها مقولته العظيمة: (هدفي الأول أن تكون بلادنا نموذجاً ناجحاً ورائداً في العالم على كافة الأصعدة، وسأعمل معكم على تحقيق ذلك)، وهنأ الوطن عليها سمو ولي العهد الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز بتغريدته المباركة (أهنئ الوطن بإطلاق رؤية السعودية 2030، وأدعم عضيدي وأخي ويدي اليمنى الأمير محمد بن سلمان على هذه الرؤية الطموحة.. حفظ الله ملكنا، وحفظ وطننا)، وأعلن تفصيلاتها سمو ولي ولي العهد الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز بكلمته المباركة (يسرني أن أقدم لكم رؤية الحاضر للمستقبل، التي نريد أن نبدأ العمل بها اليوم للغد، بحيث تعبر عن طموحاتنا جميعاً وتعكس قدرات بلادنا)، فالحمدلله على توفيقه لقيادتنا ونساله المزيد من فضله على هذا الوطن المعطاء.. وطن الإسلام والسلام والخير والعطاء والنماء.

ولهذا فيومنا الوطني ذكرى مباركة على هذه البلاد العزيزة، والوطن الغالي، المملكة العربية السعودية لايمكن أن تنسى، تعيدنا بمشاعرنا وشعورنا وخيالاتنا إلى جهاد المؤسس المغفور له بإذن الله المجاهد البطل الإمام الموحد، الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن – طيب الله ثراه، وجعل الجنة مأواه-، حينما وفقه الله وشد العزم وسانده الأبطال ليبدأ ذلك الجهاد الذي جمع الله به شمل الجزيرة، وإن الحديث ليلذ ويطيب، والقرائح لتتفتق عن جميل المعاني التي يختزنها الفؤاد تجاه هذه المناسبة المتجددة على الوطن الغالي، والبلد المبارك، لينعكس ذلك شعوراً بالمحبة والانتماء، والولاء والوفاء، كيف لا وهو وطن المقدسات والبلد الأمين الذي اصطفاه الله واختاره من سائر بقاع أرضه، وخصه بالميزات، وجعله مهوى الأفئدة، وموطن خليله وبلدة رسالته الخاتمة، وقد عبر عن هذه المحبة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم حيث قال وهو يغادر مكة: «إنكِ لمن أحب البقاع إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت»، وإن هذا الشعور المتأصل في النفوس السوية لمما يجعل المواطن الحق يستشعر المسؤولية قبل الفخار والشرف، ففي الوقت الذي يشعر المواطن بمشاعر الفخر والاعتزاز بالوطن ومآثره ومكتسباته، والشرف بما خصه الله عز وجل من خصائص، إلا أن هذا الشرف والفخار لا يقتصر على مجرد الشعور، بل هو مسؤولية نتحمل فيها ما أوجبه الشرع من حقوق وواجبات.

حقًا! لقد كان يوم استرداد الملك الموحد الباني المؤسس الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود -طيب الله ثراه، وجعل الجنة مأواه -نقطة فاصلة في التاريخ المعاصر لجزيرة العرب، وتحولاً نوعيًا، تحقق فيه لهذا الوطن الآمن نعمٌ لا يقدر قدرها إلا من عرف الحقبة التاريخية السابقة لهذا التاريخ المجيد، وقرأ أو سمع عن الأوضاع السائدة في هذه الجزيرة العربية، وما كانت تعانيه من بُعْدٌ عن دين الله، وهدم لأصل الأصول، وأساس الدين توحيد الله جل وعلا، وما نتج عنه من تشرذم وتفرق وتناحر.

وما من شك أنه ليس المراد بهذا اليوم مجرد حدث تاريخي مهم، أو سرد متكرر لا يعدو التفاصيل التاريخية، أو جملة من الأحداث مرّت، وإنما هي مناسبة مهمة تهدف إلى تذكيرنا بأكبر وأعظم وأجلّ نعمة تمت على هذه الجزيرة العربية في العصر الحاضر، إنها نعمة الاجتماع والتوحد والإلفة، وقيام دولة الكتاب والسنة، ونصرة توحيد الله، والعقيدة الصافية النقية، وحمايتها من عوامل الانحراف والخلل العقدي، وتحقيق هذه المقاصد، والأخذ بها غضة طرية كما أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا هو الأساس المتين الذي قامت عليه هذه الدولة السعودية، الأولى والثانية، وذلك حينما نصر الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- جد هذه الأسرة الماجدة من آل سعود، إمام الدعوة وشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في دعوته التي ركزت على هذا الأصل الأصيل، والأساس المتين، الذي هو أوجب الواجبات، وأساس دعوة الأنبياء والرسل جميعًا، بل هو الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها، واستمر قيام هذه الدولة على هذا الأصل في جميع أدوارها، حتى هذه الحقبة الممتدة بإذن الله، التي يقودها ملك عظيم، وحاكم موفق، اشتهر بالحزم والعزم، الرجل الشهم، والطود الأشم، والعلم الفذ، والشخصية المميزة، المباركة المؤثرة، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود -حفظه الله، وأبقاه ذخرًا وفخرًا-، إنه ملك المبادئ والوفاء، والمعاني التي يتسابق إليها الفضلاء، ويتبارى فيها النبلاء، منحه الله من المواهب، وميزه بالفضائل، التي لو لم يكن منها إلا تدرجه في مراحل عمره في مدرسة الملك المؤسس الإمام الصالح عبدالعزيز بن عبدالرحمن -رحمه الله -لينهل من تلك التجربة الناضجة، والشخصية الفريدة التي أجرى الله على يديها أعظم التحولات التأريخية في هذا الوطن الإسلامي المبارك.

ومن هنا فنحن حين نتذكر هذه الأحداث ليأتي في مقدمتها وأولى أولوياتها التذكير بهذه النعمة العظمى، وهذا الأصل المهم والصفاء العقدي، والنقاء الواقعي الذي هو من أسس العز والنصر والتمكين والاستخلاف، مصداقًا لقول الله جل شأنه: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون [الأنعام:82]، وقوله جل شأنه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور:55]، وما نتج عن هذه الصورة المثالية في وطننا المبارك من آلاء عظيمة، ونعم متجددة متوالية، أعظمها بعد تطبيق التوحيد وتحقيق العبودية لله نعمة الأمن والأمان التي صارت مضرب المثل للقاصي والداني، ونعمة الولاية الحكيمة، والقيادة الرشيدة التي تسير على خطى المؤسس، وتؤكد الأصول والثوابت، وتسعى للتطور والارتقاء على أسس متينة، وخطى حكيمة، فتحقق في هذا العهد الميمون على قصر المدة ما يشهد بما أورثه الملك المؤسس من خلال وخصال، فأثمر كل ذلك ما نعيشه من رغد العيش، ووفرة الرزق، وقوة المواقف، وما زيارات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -أيده الله -المتعاقبة إلى مختلف الدول الأجنبية كالولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، والدول الإسلامية والعربية كجمهوربة مصر العربية الشقيقة وغيرها، ونحن نمر بمرحلة جديدة من العمل على إحداث التغيير الشامل في الاتجاه الذي يكرس عوامل الاستقرار والطمأنينة ويُشيع الرضا العام ويعالج أوجه الضعف ونقاط الاختلال سواء على مستوى الدائرة الوطنية أو الخليجية والعربية أو على مستوى العالم إلا شاهد على هذه القوة، وقد مكن الله له، وكانت مواقفه سبباً لتحصين الوطن من الإرهاب ومنظماته ،ولقوة المسلمين، وهذا هو موعود الله لمن أعلى راية التوحيد، وطبق شرعه القويم، والله تعالى يقول: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ [الحج:40]، وشأن بهذه الدرجة من الأهمية، وحدث كتب الله به هذه النعم المتجددة لهذه البقعة المباركة لجدير بأن تذكر به الأجيال، وأن تبرز مآثر ولاة الأمر الذين كتب الله على أيديهم هذه الثمار اليانعة التي نتفيأ ظلالها، وليس هذا من قبيل الأمر التعبدي الذي يندرج في الأعياد المحدثة، وإنما هي مناسبة وطنية تاريخية ممتدة، يعد الاحتفاء بها والتذكير بآثارها من الشأن الاجتماعي، وتأتي الأبعاد الشرعية تبعاً لتكون أصولاً يذكر بها على مر العصور في جميع الأوقات، وليثمر هذا التذاكر والتواصي العناية والتأكيد بل وحماية هذه الثوابت في ظل فتن ومتغيرات ودعوات إلى إضعاف هذا الأصل أو إهماله بحجة أن ذلك يتنافى مع الوحدة أو الشعور بالأخوة، كما أن تذاكر هذه الآلاء يحمل في الوقت نفسه المعاني التي هي سبب للقيام بواجب تلك النعم من شكر الله، والاستزادة من فضله، والحفاظ على ما هو سبب قيامها ودوامها وزيادتها ونمائها، ومن هنا فإننا في ذكرى اليوم الوطن واسترداد الرياض على يد المؤسس -يرحمه الله -نعيش تلك الأحداث الجسام، والجهود الجبارة التي بذلها الآباء والأجداد ليكتب الله على أيديهم ما ننعم به من استقرار ورغد في العيش وأمن وطمأنينة وغيرها من نعم لا تعد ولا تحصى، ويدعونا ذلك لشكر الله تعالى عليها، وتحقيق مقومات بقائها وضمان استمراريتها، ومقاومة الانحرافات الفكرية التي تعد خللاً فيها، وحماية جناب هذا الوطن من كل من يريد به سوءًا أو مكروهًا.

كما أن المناسبة ترسخ في الأذهان أن ذلك العمل البطولي الذي قام به الملك المؤسس الباني المغفور له – بإذن الله -الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل -طيب الله ثراه-، وجعل الجنة مأواه – تنتهي بأعماله صور من الفوضى والفساد والتقاطع والتهاجر، والنهب والسلب والغارات والثارات، ويكون بفضل الله ثم بجهد هذا الإمام الجهبذ، والبطل الفذّ ضد هذه الصور من الاجتماع والألفة بين القبائل المتناحرة، وتلتقي تلك القبائل وتجتمع على التوحيد والشرع المطهر، وما أعظمها من نعمة حين يكون الإسلام هو أساس الحكم والتحاكم، والكتاب والسنة هما الأصل في التنظيم والإدارة، وتصبح هذه الدولة الإسلامية التي تتخذ من القرآن الكريم دستورًا تستقي منه تعاليم الهدى، وتباشير الحياة، تلتزم بتعاليمه الربانية، وتحتكم إلى الشرع الحكيم أنموذجًا حيًا، وشاهدًا واقعًا، ودليلاً قاطعًا على حفظ الله لهذه المملكة وتسديده وتوفيقه لولاة أمرها، وقد صدق الملك المؤسس وأبناؤه الله في نياتهم وأعمالهم فصدقهم الله، ومكَّن لهم، واستطاع الملك عبد العزيز -يرحمه الله -بذلك العمل التاريخي أن يقيم أعظم وحدة في مقابل التهديدات التي كانت تواجه العالم العربي خصوصًا والعالم الإسلامي عمومًا، ولتكون ثمار هذه الوحدة أمناً وارفاً، وعيشاً رغيدًا، وإلفة واجتماعاً، وكياناً عظيماً يستعصي على الزوال بإذن الله، بل صار منطلقاً لجهود متواصلة، وأعمال دؤوبة، تصب في خدمة الدين أولاً، ثم خدمة هذا الوطن الآمن، فمرور هذه الذكرى تذكرة للأجيال الحاضرة والقادمة بنعمة الله على هذه الجزيرة أن هيأ لها هذا الإمام الفذ، والقائد المصلح، ومنحه من الصفات ما مكنه من تجاوز كل العقبات ليجمع الله على يده شمل هذه الجزيرة، ولتستمر هذه النعم في أبنائه البررة وأحفاده الميامين، حيث لا نزال وسنظل -بإذن الله- نتفيأ هذه النعم.

وهذه المناسبة أيضًا فرصة عظيمة للمحاسبة والتذكير بأهمية هذه الأسس والثوابت التي قامت عليها المملكة العربية السعودية، وربط الناشئة بهذه المعالم التي تحميهم من الانحراف، وتجعل مسألة الانتماء لوطنهم ومحبته، والشعور بنعم الله عليه، والوفاء بمقومات المواطنة الحقة التي هي حفاظ على الثوابت التي قامت عليها البلاد من أبرز وأهم ما ينشؤون عليه، ويستشعرونه شعورًا غريزياً فطرياً، ويتنامى لديهم، ويتعزر بما لهذا الوطن من خصائص وميزات، وما حباه الله به من خيرات وثروات، نحمد الله عليها، ونسأله المزيد من فضله، لتكون هذه التنشئة والتربية حماية وحصانة تحميهم من الفتن والاستجابة لدعاة السوء والفرقة والاختلاف، مهما كانت المبررات والمسوغات.

إننا نتذكر هذه المناسبة الممتدة ونحن نعيش ظروف الوقت، ومتغيرات الأحوال التي تعصف بالمنطقة العربية خصوصًا، والعالم أجمع، أحداث وفتن ومتغيرات، حمى الله هذه البلاد منها، وصمدت أيام عواصف المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات، ولم تزدها دعوات المضلين إلا توحدًا وصمودًا وثباتًا، وقدر الله -ولا راد لقدره- أن تمر بمن حولنا ليكون هذا ابتلاءً لهذه البلاد، لتقف وقفاتها المشهودة، وسياساتها الثابتة التي تنبع من مسؤوليتها الإسلامية والعربية، ومن مكانتها التي بوأها الله إياها، وتكون هذه المواقف سببًا في درء كثير من النوازل والمصائب عن أشقائنا في البلاد العربية عمومًا، وفي اليمن ومصر وسوريا على وجه الخصوص، وهذا لم يكن إلا محض فضل الله، فهو الذي منّ وتفضل وحمى هذا الوطن، وندين الله أن ذلك كان بما ذكرنا من هذه الأصول والأسس التي قامت عليها هذه البلاد، ونتذكرها كلما مرّت في كل عام، ومن هنا فإن التذكير بها يتأكد، وتعظم المسؤولية تجاه البيان والتوعية والتوجيه، والقرب من عالم الشباب على وجه الخصوص لكشف دعاوى المغرضين، ورد شبه المناوئين، الذين يريدون بالوطن ووحدته وولاته سوءًا، ويصدق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يذكرنا بالمخرج من فتنهم: «دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»، والمخرج منهم ومن فتنهم وشرهم بينه الناصح الأمين بقوله: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، فما أعظم هذه الإمامة التي أرشدنا إليها رسولنا صلى الله عليه وسلم، وتتحقق في هذه الدولة المباركة.

وبعد: هذه أبرز دلالات هذا اليوم الغالي في تاريخ مملكتنا الفتية، وهذا ما يذكرنا به مروره المتكرر، وإن حقاً علينا ونحن نتفيأ هذه النعم أن لا نسمح بأي فرصة تحدث خللاً أو نقصاً حتى ولو بالشعور والمشاعر، حتى نجعل هذه المعالم حصانة تقي مجتمعنا وأجيالنا من الانحراف بإذن الله.

وإني لأغتنمها فرصة سانحة أن أشكر الله تعالى على تجدد النعم وتواليها، فهو أهل الثناء والمجد، وما بنا من نعمة فمنه وحده، ثم أثني بشكر من هم سبب في توالي وتتابع هذه الآلاء، وأرفع ببالغ الامتنان التهنئة الخالصة، والتبريكات لمقام مليكنا المفدى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز، وسمو ولي ولي العهد الأمين النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظهم الله ذخرًا للإسلام والمسلمين، ولهذا الوطن الغالي، وأدام عليهم نعمه، وأسبغ عليهم فضله، وأتم عليهم آلاءه -، ولأبناء وطني الحبيب.

والله المسؤول أن يحفظ علينا هذه النعم، ويحميها من الزوال، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

رئيس المجلس التنفيذي لاتحاد جامعات العالم الإسلامي

Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

إعلانات

جديد المقالات

جديد المقالات