توصيف المواقع.. من طريقة «خله على حجاجك الأيمن» إلى إحداثيات الأقمار الاصطناعية

الرحلات البرية تتطلب الاستعانة بالأدلاء أو الأجهزة الملاحية للاسترشاد على المواقع

 إعداد: أحمد الضويحي

عندما تدعوك الحاجة إلى الذهاب لمكان لا تعرف أين يقع فلا بد أن تستعين بمن يدلك عليه؛ حيث يبدأ في إرشادك من أول نقطة تعرفها قريبة من ذلك الموقع كطريق أو منزل أو غيره، ويقولون في المثل قديماً (من سأل ما تاه)، وكانت الاستعانة بالغير في الوصول إلى وجهة غير معروفة مسبقاً سمة تميز بها جيل الأمس ولازال الناس إلى يومنا الحاضر يسترشدون بمن يدلهم وخصوصاً من كبار السن الذين يصعب عليهم التعامل والاستعانة بما حققته التكنولوجيا من تقدم وتبسيط للحياة المعاصرة ومن ضمنها خدمة تحديد المواقع عن طريق استخدام أجهزة الاتصال الذكية التي باتت تدلك على أي شيء ليس في بلدك الذي تقيم فيه بل أي مكان في العالم، فبعد أن كنت تسمع من يريد إرشادك جملة (خله على حجاجك الأيمن وابتل سيده يجيك على يدك اليسار) أي اجعل الشيء الذي يريد منه بداية توضيح الطريق كمبنى أو جبل أو شجره أو حتى القمر على حاجبك الأيمن ثم انطلق بخط مستقيم بعد ذلك تجده على يسارك، وقد عانى كثير من الناس من عمليات الوصف قديماً التي بعضها كالطلاسم التي يحتاج معها جيل اليوم إلى فك شفراتها أولاً كي يعرف المراد منها لترشده إلى ضالته، ولكن مع التقدم التكنولوجي لم يعد أحد من المتعاملين مع تلك الأجهزة الذكية بحاجة إلى من يرشده حتى ولو كان في سياحة إلى دولة أجنبية؛ حيث بات في وسعه الوصول إلى أي شيء يرغبه من فنادق أو مطاعم أو متنزهات دون الحاجة إلى الاستعانة بمرشد سياحي.

تقنيات أجهزة الملاحة المتطورة سهلت الوصول للمواقع بدقة داخل المدن وفي رحلات البر والسفر

الدليل

عرف البعض منذ القدم بقوة ذاكرته ومعرفته بالطرق حتى شاع بين الناس ذكره بأنه (دليل) أي يدل على أي مكان يطلب منه ومن أشهر هؤلاء عبدالله بن الأريقط حينما استعان به رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة؛ حيث سلك به طريقاً بعيداً عن أعين قريش التي كانت تسعى في اللحاق به والقبض عليه حيث سلك طريق الساحل حتى وصل إلى المدينة بسلام، وفي العصر الحديث فقد استعان الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- بأحد الأدلاء ليدله على مورد ماء يسمى (هيت) فعند اقتراب الملك عبدالعزيز من الرياض كان على علم بأن جميع موارد المياه محاصرة فأراد التوجه إلى موضع ماء يقال له (هيت) وهو المورد الوحيد الآمن مستعيناً بهذا الدليل ولكن هذا الدليل الذي كان يرافقهم كاد أن يضيع الطريق عند حلول الظلام وبعد العثور على المورد، قال الملك هذه الأبيات وهي من أشهر قصائده المتداولة على ألسنة العامة:

روّحن مثل القطا صوب الثميله

ضمّرٍ تضفي عليهن العباتي

ورّدوهن هيت وأخطاه الدليله

والموارد غير هيت مقضباتي

إلى آخر القصيدة، كما أن متتبع كتب الرحالة والمستشرقين الذين جابوا الجزيرة العربية -ومن ضمنها بلادنا، وهم كثر- يلاحظ بأنهم قد استعانوا بمن يدلهم على الطرق الصحيحة ليسلكوها والتي تحقق مرادهم في الوصول إلى البلدان والأماكن التاريخية والتراثية المهمة واختصر لهم هؤلاء (الأدلاء) المدة الزمنية التي كانوا سيمكثوها دون الاستعانة بهم، ومن أهم الأماكن التي كانوا بحاجة لها خلال رحلتهم هي موارد المياه خصوصاً لمن كان يسير بالجمال خلال الرحلة وفي مناطق مشهورة بالجفاف كمنطقة (الربع الخالي) ومن أشهر هؤلاء الرحالة (ويلفرد ثيسجر) أو مبارك بن لندن كما سماه البدو المرافقون له وهو الذي قام بعبور الربع الخالي مرتين من الجنوب الغربي إلى الشرق في الأعوام من 1945م إلى 1949م ومن أشهر الأدلاء في رحلته هما (ابن كبينة) و(ابن غبيشة)، ومن الرحالة البارزين أيضاً (جون فيلبي) الذي غير اسمه لاحقاً إلى (عبدالله فيلبي) والرحالة (ويليام بلجريفتشارلز داوتي) الإنجليزي الأصل والرحالة الدنماركي (باركلي رونكيير)، والرحالة الإسباني (دومنغو باديا) المتسمي بـ (علي باي العباسي) وكل هؤلاء وغيرهم لم يكونوا يستطيعون توثيق رحلاتهم وإنجاحها لولا استعانتهم بـ (الدليل) في رحلتهم الذي اختصر لهم الوقت والجهد في الوصول إلى المعالم التي رغبوا في زيارتها.

قدرات خارقة

من المواقف الطريفة في عالم الوصف ما يكون خافياً على الناس العاديين إذ لا يستطيع أحد الوصول إلى المكان الموصوف إلا إذا كان ذا فراسة ودراية ومن أشهر القصص في هذا المجال قصة الشاعر والخبير بالطقس والطوالع راشد الخلاوي الذي كان يعرف بدقة الوصف وتحديد الأماكن ومعرفة معالم الجزيرة وأعلامها، وقد كان لديه بندقية من نوع (الفتيل) وهي عزيزة لديه جداً فقد ألفتها عينه ويده ولما شعر بالثقل أي بكبر السن، وتدانت خطاه أحب أن يودعها (دحلا) من دحول (الصمان) يقال له (أبومروة) ضناً منه بها ومحبة في أن يهتدي ابنه إليها بالوصف وامتحان المعرفة، وإن لم يهتد إليها فأولى بها أن تفنى في دحلها من أن يحملها غيره أو أن يحملها ابن ليس في الحذق والذكاء وتسديد الرماية كأبيه، فقال واصفا معميا في بيتين هما:

عن طلحة الجُودي تواقيم روحه

عليها شمالي النور يغيب

وعنها مهب الهيف رجم وفيضه

وحروري إن كان الدليل نجيب

ولما كبر ولده وبلغ مبلغ الرجال أخبرته أمه بوصف أبيه فعمد إليه واستخرج البندقية منه، وأدار نظره وفكره حول الدحل فوجد هنالك قريبا من فم الدحل مروة (كتلة حجرية صلبة بيضاء من الأمعز الصوان) فقال لو وصف والدي هذا الدحل بهذه المروة لكان وصفا منطقيا تماما، فلو قال:

وترى دليله مروة فوق جاله

خيمة شريف في مراح عزيب

تعجيز

ومن الوصف قديماً ما يكون تعجيزياً وغير مفهوم مما يجعل المرء يفغر فاه متعجباً وهو يتلقى هذا الوصف فمثلا تصور أن يصف لك شخص مكان إقامة مخيم ربيعي له فيقول (خل حجاجك الأيمن على مطلع سهيل، وخلك مسند وإذا اعترض لك شعيب حوله رمث امش دونه لين تلقى لك ضلع حنا عنه قبله) فلا شك أنك لن تغامر وتذهب على ذلك الوصف بل ستستزيد من يدعوك إلى الزيارة بعدة أوصاف مبسطة لتغامر وتذهب أو أن تطلب منه أن يقلك إلى مخيمة وقد تؤثر العافية وتعتذر منه بلطف عن قبول الدعوة، وفي المقابل فقد يكون البعض مبالغاً في الوصف ومسهلاً له وهو بعكس ذلك؛ حيث كثيراً كنا نسمع كلمة (حذفة عصا) للدلالة على قرب الموقع ولكن عند الذهاب تفاجأ بأن المكان بعيد جداً وليس ببعد (حذفة العصا) التي هي في الأصل مجازية تستخدم للمبالغة وللتسهيل والترغيب، وقد يحدث أن يطلب أحد من الناس الوصف من آخر ولكنه لا يفهم طريقة الوصف فيكون مسيره الضياع كما حدث لأحد المسافرين الذي كان يرغب في السفر إلى أحد بلدان نجد قديماً وهي (مرات) والتي تشتهر بوقوعها تحت سفح جبل كميت التي تشتهر به وصار مضرب مثل لملاصقتها له، وبعد مسيرة وقبل وصوله إليها وصل إلى جبل طويل بدا له فحث المسير إليه ظاناً بأنه جبل كميت وهو مغمور بالفرحة لوصوله إلى (مرات) فلما وصل إليه لم يجد البلدة فأخذ يبحث عمن يدله إلى أن رآه شاعر فدله على الطريق وقال بيت شعر خلد هذه القصة وصار مثلاً يتناقله الناس إلى يومنا هذا وهو:

وصفوا له مير ما دل الوصايف

يحسب ان كميت خشم المكمكية

كروكي

استخدم العديد من الناس الرسم في تحديد المواقع ليستعين بها من يريد الوصول إلى وجهته دون اللجوء إلى الاستعانة بالغير في ذلك؛ حيث ساهمت هذه الطريقة في تسهيل مهمة الجيوش مثلاً في تحديد الوجهة المطلوبة خلال عمليات الغزو وذلك عن طريق رسم ذلك في خرائط كانت في بدايتها يدوية، وفي وقتنا الحاضر صارت هذه الطريقة تستخدم في تحديد مكان الأفراح حيث درج الناس على إرفاق ورقة صغيرة مع بطاقة الدعوة تستخدم كـ (كروكي) لتوضيح مكان إقامة الفرح في المدينة التي يقام فيها مما سهل على المدعوين سرعة الوصول إلى الهدف دون ضياع أو حاجة إلى توصيف من الغير.

إحداثيات

كثيراً ما نسمع أخباراً سيئة عن ضياع أحد عشاق الصيد أو التنزه أو من يبحث عن ماشيته التي تاهت عن مكانها وتوغلت في الصحراء في الأماكن البعيدة في المناطق الغير مأهولة والتي تعاني من قلة الموارد المائية وتشتهر بالطرق الرملية التي تعلق فيها السيارات مما يتسبب في هلاك مرتاديها ممن تنقصه الخبرة في التعامل مع تلك الظروف خلال ضياعه، وتشهد غرفة العمليات بالدفاع المدني على مدار العام العديد من البلاغات عن تغيب العديد من هؤلاء المتنزهين والمتوغلين في متاهات الصحراء؛ حيث يبادر ذووهم بالإبلاغ فور فقدانهم فيتم إنقاذ العديد منهم وهو في أخر رمق بينما يموت آخرون جراء الظمأ والجوع، وعلى الرغم من أن البعض من هؤلاء المتنزهين وعشاق الصيد يملك أجهزة تحديد المواقع باستخدام إحداثيات المواقع المتوفرة في أجهزة (الجي بي إس) المرتبطة بالأقمار الصناعية والتي أسهمت في سرعة الوصول إلى المواقع دون الحاجة إلى أخذ الوصف من خبير أو الاستعانة بدليل إلا أن مخاطر عطل السيارة أو أن تعلق في الرمال هو من أكبر الأخطار التي يواجهونها.

مواقف

هناك من الأشخاص من حباه الله ذاكرة قوية بحيث يتمكن من حفظ المواقع التي مر بها بحيث أنه لو أراد أن يعود إليها بعد سنين طويلة لفعل ذلك بكل سهولة، كما أنه خبير بالاتجاهات الأصلية في النهار ومعرفته بالنجوم كبيرة حيث يستدل بها أثناء مسيره في الليل لتحديد وجهته المطلوبة، وبلغ من تحدي أحدهم أنه كان يعقد مع رفاقه الرهان وذلك بأن يرمي في أحد الأماكن التي يمرون عليها خلال بحثهم في الصباح الباكر عن الصيد في صحراء لم يزوروها من قبل بفنجان القهوة ويقول لرفقته هل حفظتم المكان فاذا قالوا نعم انطلق بسيارته وقال إننا سنعود إليه في آخر النهار ومن يستطيع الوصول إليه فهو الفائز وبعد أن يستمروا في بحثهم عن الصيد والبعد عن المكان عشرات الكيلومترات ويقفون للغداء تبدأ مغامرة الوصول إلى مكان الفنجان، فيبدأ الأول بالبحث فلا يهتدي ومن ثم الثاني والثالث حتى أقروا بعجزهم فقام هو بالذهاب إليه ووقف بجانبه وطلب من أحدهم إحضاره فينزل وهو منذهل كأصحابه من قوة ذاكرته، وفي موقف آخر فقد تاه عدد من الأصدقاء خلال التنزه ولم يستطيعوا الاهتداء إلى الطريق الصحيح وحل الظلام عليهم وبدأ الخوف يدب في نفوسهم فأبصروا على بعد بيتاً من الشعر فيه ضوء فذهبوا إليه فخرجت لهم امرأة كبيرة في السن فسألت عن حاجتهم فأخبروها بأنهم تاهوا عن الطريق المؤدي للإسفلت فقالت للسائق أرأيت هذه النجمة وأشارت بيدها إلى أحد الجهات فقالت استقبلها واجعلها بين عينيك وتابع المسير حتى تصل الى محطة وقود وبجانبها الطريق الذي تريد فودعوها بعد أن شكروها وساروا وهم غير مصدقين ولكن بعد المشي لمدة طويلة كما أوصت اذا هم يصلون إلى محطة بنزين فعلاً وبجانبها الطريق فحمدوا الله على السلامة وتعجبوا من وصف تلك المرأة الدقيق.

تحديد مواقع

بعد ظهور التقنية الحديثة وانتشار أجهزة الاتصال المتقدمة فقد أغنت الناس عن الحاجة إلى الوصف والسؤال عن الأماكن وباتت خرائط جوجل ماب (Google Maps) تقدم خدمة مجانية من موقع البحث (جوجل) على الشبكة العالمية، وقد كانت البداية توفير الخدمة هي عرض لخرائط لشوارع أربع دول هي الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وإيرلندا مع إمكانية تحديد مكان عمل ما في تلك الدول، هذا بالإضافة إلى استطاعة الشخص مشاهدة صور عالية الوضوح بواسطة الأقمار الصناعية لمئات من المدن في العالم، أما الآن فلقد توسعت شبكة الطرق والشوارع لتشمل معظم مدن العالم وليس الأربعة التي بدأ بها المشروع فقط، وبات بوسع كل شخص أن يحدد المكان الذي يرغب بالذهاب إليه بمجرد كتابة اسم المدينة التي يقع فيها ومن ثم يتابع سيره بالاستماع إلى من يوجهه، كما بات باستطاعة أي شخص أن يحدد الموقع الذي يريد صاحبه أن يزوره فيه ويرسله عن طريق الهاتف الجوال وبذلك يستطيع معرفة الموقع بطريقة فتح (لوكيشن الواتس أب) فيظهر له الموقع على الطبيعة فيسهل عليه الوصول دون الحاجة إلى وصف أو سؤال.

 

 

استعان الرحالة والمستشرقون قديماً بالخرائط في رحلاتهم وتنقلاتهم
كثيرون يستخدمون التطبيقات الحديثة للوصول إلى وجهاتهم داخل المدن بدلاً من الكروكي أو سؤال الغير عن الموقع
أمانات المدن تمكن من البحث عن المواقع والأحياء عبر التطبيقات والأجهزة الحديثة
ترقيم المباني سهل الوصول إليها عبر التطبيقات المتطورة
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

إعلانات

جديد المقالات

جديد المقالات