سوق الأربعاء بالأحساء.. قيمة اقتصادية وسياحية أوجدها عرق الكادحين

ظل سوق الأربعاء الشعبي بمدينة المبرز بمحافظة الاحساء محتفظاً بحيويته وشعبيته طوال تاريخه، وبقي هذا السوق مناسبة أسبوعية يحرص عليها الفلاحون لعرض منتجات مزارعهم لبيعها ليعيشوا وأسرهم منها، وكذا كان سوقاً مفتوحة لكل من يرغب البيع والشراء فكان مقصداً للباعة والمتسوقين، كما كان متنفساً لأولئك لقضاء وقت لا يخلو من المرح، كما كان «ولا يزال» وجهة للسياح للتعرف على تفاصيل كثيرة من طبيعة حياة أهل الاحساء.

سوق الأربعاء «الذي يوصف بالقديم أي لا يعرف تاريخ نشأته بالتحديد»، رغم تنقله بين أحياء السياسب، والمسعودي، وغصيبة حتى استقر حالياً في حي العيوني في قلب المدينة، إلا أنه بقي مقصداً جاذباً للباعة والمتسوقين.

 الملك عبدالعزيز زار السوق وتبادل الأحاديث مع الباعة والمتسوقين

 «الرياض» زارت السوق ورصدت العدسة حركة التسوق، وما يعرض فيه من بضائع متنوعة تعكس أهمية السوق الاقتصادية ومكانته السياحية.

عراقة

رغم التطور المتسارع في طبيعة حياة المجتمع المتعلق بالتسوق وظهور المولات، إلا أن الأسواق الشعبية اليومية الممتدة على أيام الأسبوع في الاحساء حافظت بقوة على وجودها لدى شريحة كبيرة من المجتمع، لذا تجد سوق الأربعاء يعج بالمتسوقين على مدار العام وحتى في أشد أشهر السنة حرارة ورطوبة.

وفي حوار سابق ل «الرياض» مع أحد كبار السن وهو العم علي حسين الشويش «رحمه الله « ذكر أنه التقى بالملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – في سوق الأربعاء، حيث شاهده يتجول في السوق ويصافح المتسوقين والباعة ويتبادل معهم أطراف الحديث، مما يدل أهمية ومكانة سوق الأربعاء ما جعل الملك عبدالعزيز يزوره.

 م. الشايب: تجمع حجاج فارس والهند وآسيا في المبرز أوجد السوق

 بساطة

مع إشراقة صباح كل أربعاء يستقبل السوق آلاف الباعة والمتسوقين منذ عرف، وكان الفلاحون « ولا يزالون « يجلبون منتجات مزارعهم من خضار وفاكهة، ويحرصون على عرضها بطريقة تجذب المتسوقين. وعلى الرغم من كثرة الباعة واصطفافهم بجوار بعض إلا أن ذلك لم يخلق الحساسية التي غالباً ما تكون موجودة بين أصحاب المهنة الواحدة، فلا يجد بائع سلعة ما حرج حينما لا تتوفر لديه أو أن يكون زميله لديه سلعة أفضل في أن يرشدك إليه ويسميه بالاسم وفي ذلك تظهر بساطة المجتمع وإثارهم على أنفسهم، وهذا القرب الاجتماعي بين الباعة ينعكس على تعاملهم بحيث يتفقد بعضهم البعض في حال غيابهم وتزاورهم في حال المرض أو المناسبات السعيدة أو الحزينة.

 م. الملحم: الأمانة تدعم الأسواق الشعبية كونها مورداً اقتصادياً هاماً للمواطن

 ويجلس جل الباعة أمام بسطاتهم على الأرض، ويتوزعون حسب السلع للخضار والفاكهة التي تعرض في مراحل مصنوعة من الخوص، والأكلات الشعبية، والملابس والأحذية والاكسسوارات المختلفة، وهكذا الطيور، والأشجار، وغيرها، ولا يخلو السوق من بعض المواقف الفكاهية والمزاح الذي يضفي على السوق أجواء من المرح وجاذبية للمتسوقين.

المبرز منطلق الحجيج

م. عبدالله بن عبدالمحسن الشايب «مدير فرع جمعية علوم العمران ومدير مركز النخلة للصناعات الحرفية بالاحساء أوضح أن» مدينة المبرز ثاني أكبر المدن في المحافظة» كانت مكاناً لتجمع الحجاج القادمين من بلاد فارس ووسط آسيا وشرق آسيا وبلاد الرافدين، حيث ينطلقون منها شرقاً لأداء مناسك الحج «وهو ما كان يسمى بالحج الهجري»،على غرار الحج الشامي والمصري، فكانت المبرز وقت ذاك تحتضن الحجاج من مختلف اللغات الذين كانوا يجلبون معهم سلعاً من بلدانهم لبيعها، ومعها نشأت أسواق تعرض فيها بضائع الحجاج وهذا كان قبل نشوء حاضرة المبرز، ومع بدء السكن في المبرز فإنه من الطبيعي أن ينشأ سوق للسكان، والذي يعتقد أنه كان يوم الجمعة ثم تبدل إلى الأربعاء.

 السياحة: وضعنا السوق ضمن خريطة المسارات السياحية

 لفت م.عبدالله إلى أن المبرز كانت تستقطب المنتجات الزراعية وغيرها من قرى شمال الواحة إلى أسواقها، وبين أن تنقل البضائع من مكان إلى آخر هي سمة للمجتمعات المتحضرة كما هم أهل الاحساء كونها بلد مستقرة، فكان بها 40 سوقاً مفتوحة في الأسبوع، مما أتاح الاستفادة من تنمية مهارات الباعة في التسويق.

عصاميات

كانت السيدة الأحسائية ومنذ عقود تجمع طوال الأسبوع منتجاتها التي صنعتها بسواعدها من أقمشة أو صناعات الخوصيات، والبخور المعد في منزلها، وبعض الكريمات الشعبية وغيرها تجهزها للحصاد الأسبوعي لتعرضها في سوق الأربعاء، ووفر السوق مكاناً رحباً للسيدات العصاميات اللاتي كن يساعدن أزواجهن.

أم علي الأحمد قدمت للسوق قبل عشرين عاماً، وتشير إلى أن بسطتها تضم أشياء صنعتها بيدها كالسفرة المصنوعة من خوص النخل، وكذلك الزبيل، والمخرف «للرطب»، والقفة، كما تعرض منتجات صنعها غيرها كالمنز «سرير للأطفال المصنوع من جريد النخل «، ولا تكتفي أم علي كغيرها من النساء الأخريات بسوق الأربعاء بل أنها تتجول في سوق الخميس، والأثنين، والجمعة.

سوق الطيور

تصدح الطيور بأنواعها العديدة بأصواتها في السوق لتجذب الراغبين في اقتنائها، ويعرض في السوق أعداد هائلة من الطيور والدواجن المحلية والمستوردة.

احمد الحجي «أحد باعة الطيور» استعرض أنواع الطيور التي تباع في السوق قائلاً أنها تشمل طقطق، طيور الحب، كناري، كروان مشيراً إلى أن أسعارها متفاوتة حسب النوع، وامتدح سوق الأربعاء واصفاً إياه بالممتازة والسبب الحضور الكبير من الزبائن من مدن المحافظة ومن خارجها.

محمد خميس الغزال « بائع للطيور منذ 28 سنة « تخصص في بيع الدواجن والديكة الحساوية والدجاج الهندي وهو الأغلى حيث يصل سعر أفضل نوع منه 800 ريال، كما يبيع الدجاج الأمريكي، والأرانب، والبط، والديك الرومي، ووصف سوق الأربعاء بأنه أفضل الأسواق لكثرة الزبائن الذين يأتون من خارج الاحساء خصوصاً من القطيف، والدمام، والرياض، والخرج.

سلع متنوعة

يحتضن سوق الأربعاء جميع المنتجات والأدوات، ويمارس علي عبدالمحسن البحراني بيع أدوات الزراعة منذ ثلاثين عاماً، وتضم بسطته أدوات مثل المحش، والصخين، والمطرقة، مقص للسعف، ودلال القهوة، وملقاط للمندي، ولا يخفي حنينه للماضي الذي كانت مبيعاته أفضل من الآن، إلا أنه يشكر الله سبحانه.

حسن السيحة « بائع خضار « يبيع منذ أكثر من 10 سنوات في السوق ويصفه بالسوق الشعبي ذا الرزق الوفير والطيب وأسعاره مناسبة، ويضيف أن سوق الأربعاء ليس فقط مكان للبيع والشراء ففيه ترويح عن النفس وفيه ضحك واصفاً إياه بالسينماء المجانية « على حد تعبيره «!.

ويعرض احمد عبدالله الشرقي مجموعة من اي، والسليماني، وقال إن أغلى الخواتم المعروضة لديه سعره 1500 ريال، أما علي الحداد فيبيع في سوق الأربعاء منذ عشرين عاماً أدوات الحدادة كالعقفة، الهيب، المحماس.

وأمضى علي عبدالله الطرفاوي أكثر من عقد من الزمن في دلال رسلان الأصيلة بأنواعها المختلفة، كرسلان البغدادية، والحبشية، والروسية، ودلة القهوة الحساوية التي يصل سعرها إلى 4 آلاف ريال.

اهتمام وعناية

تخضع الأسواق الشعبية في الاحساء ومنها سوق الأربعاء لإشراف الأمانة إشرافاً صحياً ومتابعة وتهيئة ً، كونها تشكل مورداً اقتصادياً هاماً للباعة، وفي هذا السياق اعتبر أمين الاحساء م. عادل بن محمد الملحم أن هذه الأسواق أحد العناصر الاقتصادية والتجارية والسياحية الهامة في المحافظة، فهي تستقبل آلاف المتسوقين والسياح من الداخل والخارج، لذا حرصت الأمانة على تذليل أي صعوبات قد تواجه الباعة، كما أنها تخصص فرق للرقابة الصحية والنظافة العامة قبل وبعد وجود جميع الأسواق الشعبية في كل مدن وقرى المحافظة على مدار الأسبوع، مؤكداً أن هذا الحراك الاقتصادي للمواطنين مبعث سعادة للأمانة ولوزارة الشؤون البلدية والقروية.

ولفت م. عادل في حديث ٍ ل «الرياض» إلى أن الأمانة وبشراكتها الإستراتيجية مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني فقد شرعت فعلياً قبل أسابيع قليلة في إنشاء مقراً نموذجياً لسوق الأحد الشعبي في بلدة القارة «تحت سفح جبل القارة المعروف»، معتبراً أن هذا السوق مثال حي للاهتمام والدعم الذي تقدمه الدولة رعاها الله ممثلة في أمانة الاحساء لأبنائها المواطنين في مختلف مواقعهم ومهنهم.

بدوره أكد مدير الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بالاحساء المكلف خالد بن احمد الفريدة على اهتمام الهيئة بالأسواق الشعبية، حيث حرصت على التعريف بهذه الأسواق للسياح، فقامت بوضع الأسواق الأكثر شهرة كسوق الأربعاء ضمن خريطة المسارات السياحية ليتمكن السائح من زيارتها.

 

بائع الخواتم والأحجار يعرض ما لديه أمام الزبائن

 
الطيور هواية تجذب مختلف الأعمار

 

نساء يتبضعن في السوق

 

الأدوات الزراعية لاتزال تحافظ على وجودها

 

عرق الكادحين حافظ على بقاء السوق

 

نكهة الماضي حاضرة في سوق الأربعاء

 

سوق الطيور يحظى بإقبال كبير

 

ابتسامة عريضة للزبائن ولعدسة «الرياض» من البائع حسن

 

منتجات شعبية في السوق

Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

الرياض

17°C
Few clouds
الخميس
77%
03:20 AM
Min: 16°C
947
02:03 PM
Max: 23°C
NE 3 m/s

جديد المقالات