«مسافرون بلا تخطيط»..!

 عرفت بعض الأسر السعودية السفر وقضاء الإجازات السنوية خارج المملكة وداخلها منذ سبعينيات القرن الميلادي الماضي، وذلك بالتزامن مع الطفرة النفطية التي شهدتها البلاد آنذاك، ورسّخ من هذا التوجّه رحلات الابتعاث الخارجي للدراسة والأنشطة التجارية والبحث عن الترفيه والتسوّق، إلى جانب الرحلات العلاجيّة وحضور بعض المؤتمرات والمعارض الخارجيّة.

وانحصر قضاء الإجازات في البداية على بعض الدول الأوروبية والأمريكتين وعدد من الدول العربية السياحية، كالمغرب ولبنان ومصر وتونس، إلى جانب السفر لتركيا، علاوة على السفر الداخلي إلى الطائف وأبها، المعروفة بأجواء صيفية معتدلة، قبل أن تتسع قاعدة الخيارات لتضم بلداناً أخرى في جنوبي شرق آسيا وغيرها، وذلك بالتزامن مع ظهور مفهوم السفر الجماعي والسفر الاستشفائي، في ظل وجود برامج سياحية بأسعار تنافسية؛ ممَّا حفَّز بعض الشباب والمتزوجين حديثاً وغيرهم على السفر للترويح وتغيير نمط الحياة وكسر الروتين وتجديد النشاط.

ومن الأمور التي تلفت الانتباه عند السفر لقضاء الإجازة، اتّخاذ البعض هذا القرار في اللحظات الأخيرة بعيداً عن التخطيط والترتيب المُسبق، في مقابل من يحرصون على الإعداد المُنظَّم لهذا الموضوع قبل فترة زمنية مناسبة، إلى جانب البحث في العديد من الخيارات؛ للوصول إلى القرار المناسب.

مواقف محرجة

وقال وليد الغفيلي – موظف -: “أنا من عشاق السفر والتجوال، وقد زرت مناطق كثيرة في المملكة، إلى جانب العديد من البلدان العربية والأجنبية، حيث تعرفت عن قُرب على عادات وتقاليد شعوب وحضارات الأمم، كما تعرَّفت أيضاً على أحوال النَّاس في العديد من بقاع الأرض، وأرى أنَّ المثل القائل: (للسفر خمس فوائد) يُمكن تعديله ليكون عشرات الفوائد، فالإجازة إلى جانب كونها فرصة للترويح عن النفس بعد عناء العمل، فهي تُمثِّل أيضاً فرصة للمعرفة والثقافة وفهم سلوكيّات الأمم”.

وأضاف أنَّ الإجازة تُعدُّ فرصةً أيضاً لننهل من معين ثقافتنا وموروثنا المحليّ، وذلك من خلال السياحة الداخلية والسفر إلى مناطق مملكتنا الحبيبة، مُشدِّداً على ضرورة التخطيط الجيِّد للإجازة قبل أن تبدأ بفترة مناسبة، خاصةً حينما يسافر ربّ الأسرة برفقة أفراد أسرته؛ وذلك لكي لا يتفاجأ بمواقف محرجة أثناء السفر، مُضيفاً أنَّ الأمر يزداد أهمية عندما يكون الشخص في مناطق بعيدة عن سفارات وقنصليات وممثليات خادم الحرمين الشريفين في الخارج.

سفر مفاجئ

وبيّن الغفيلي أنَّ من فوائد التخطيط الجيّد للإجازة عدم إتاحة الفرصة لحدوث بعض المفاجآت أثناء السياحة الداخلية، ومن ذلك الأسعار العالية للوحدات السكنية، مُشيراً إلى أنَّه يحرص عادةً على حجز أماكن إقامته في الوجهة التي يرغب بالسفر إليها منذ وقتٍ مبكِّر؛ مُضيفاً أنَّه يحرص عادةً على استغلال كل يوم في إجازته بالشكل الأمثل، موضحاً أنَّه حريص أيضاً على التشاور مع أفراد الأسرة حول طريقة قضاء الإجازة ووجهة السفر وتفاصيل الرحلة، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بقضاء الإجازة على الوجه المطلوب.

وأكَّد أنَّه يرفض بشدّة فكرة السفر المفاجئ، إلاَّ إذا كان ذلك لأمر عارض لا مفر منه، مُضيفاً: “نحن نعيش حالياً في زمن يتسم بالتعقيد والحاجة إلى التفكير والتخطيط السليم، حيث انَّ زمن العشوائية والتخبط قد انتهى، ولننظر حولنا لنجد العالم كله يسير في فلك العلم والمنهج العلمي في كل شاردة وواردة”.

مخاطر محتملة

وأشار عالي العيسى – موظف – إلى أنَّ والده أبلغه أنَّ النَّاس حتى زمن قريب لم يكونوا يعرفون السفر والسياحة بمعناها الحالي، حيث كانت حياتهم تسير على نمط واحد في أيام العمل والدراسة والإجازات، مُضيفاً أنَّهم كانوا يقضون أيامهم بشكلٍ تقليدي ما بين عمل وأداء مهمات وزيارات للأقارب والمعارف فقط، وكان مفهوم الإجازة يعني الراحة والخلود إلى النوم والسمر، حتى بدأ النَّاس – خاصةً الأثرياء منهم – في السفر إلى الخارج، بحثاً عن الترفيه أو الدراسة والتجارة.

وأوضح أنَّ ذلك كان بمثابة فاتحة خير على العديد من أفراد المجتمع الذين بدأوا بالتفكير في السفر والتنقل ورؤية العالم الخارجي، إلى جانب التواصل مع هذه المجتمعات، لافتاً إلى أنَّ السفر للخارج بما يحمله من مخاطر محتملة تتمثَّل في الشعور بعدم الأمان وإمكانية التعرّض للسرقة أو الخديعة يحتاج بشكلٍ أكبر للتخطيط المُسبق والدقيق مقارنةً بالسياحة الداخلية، مُشدِّداً على أهمية استشارة الأقارب والأصدقاء ممَّن سبق لهم السفر إلى خارج المملكة قبل الإقدام على هذه الخطوة.

بلدان آمنة

وشدَّد العيسى أيضاً على ضرورة اختيار البلدان الآمنة والمستقرة سياسياً، إلى جانب معرفة واقع كل بلد قبل زيارته، خاصةً أنَّ العديد من البلدان في العالم يتغيّر فيها الحال بين عشيةٍ وضحاها في الوقت الراهن، رافضاً في الوقت نفسه العشوائية والارتجالية وسرعة اتخاذ القرار دونما دراسة أو تمحيص قبل السفر إلى أيّ وجهة داخلية كانت أو خارجية، ناصحاً الشباب بالسفر الجماعي والحرص على التمسك بالسلوكيات العربية المعروفة والبعد عن كل ما يسيء إلى مجتمعنا المحافظ أو يُمثِّل خرقاً لمبادئه وقيمه.

وأضاف أنَّ اختيار الوجهة التي يرغب السفر إليها يتمّ عادةً بناء على نصائح الأصدقاء والأقارب أو من خلال وكالات السياحة والسفر والإعلانات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

جدول مُعقَّد

وعارض مناع الحربي – موظف – فكرة التخطيط والإعداد الجيد، وغيرها من العبارات التي يعتقد أنَّه ليس لها معنى في قاموس السفر والبحث عن الراحة والترفيه والتبضُّع، مُشيراً إلى أنَّ السفر يعني الانطلاق والمتعة والتحرّر من أعباء الأعمال الكثيرة أثناء العام، مُبيِّناً أنَّ السفر هو الانتقال من حال إلى آخر ومن شكل من أشكال العيش ونمط من أنماط الحياة إلى ما هو مختلف، موضحاً أنَّ السفر وفق جدول مُعقَّد أو أجندة بعينها أو بناء على تخطيط دقيق مبالغ فيه هو أمر لا قيمة له أبداً.

وأضاف أنَّ ذلك لا يعني أبداً أن يخرق المسافر القوانين والأنظمة في أيّ بلد أو وجهة يرغب بالسفر إليها، كما أنَّه لا يعني أن يتمّ تجاوز أعراف ونظام الدول، بل إنَّ عليه أن يسعى إلى المتعة والفرجة والمشاهدة والتعلم واكتساب الخبرات والتعرف على حضارات الأمم الأخرى دون إفراط او تفريط، موضحاً أنّ اختيار وجهة السفر لديه يتمّ من خلال المعلومات التي يحصل عليها عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، مُبيِّناً أنَّه ضد الحصول عليها عن طريق شبكة “الإنترنت”.

وأيَّده الرأي بدر السالم – طالب -، مُضيفاً أنَّه يسافر مع أسرته منذ فترة طويلة، وغالباً ما يزور دول تركيا ولبنان؛ لأنَّ تكلفة السفر فيها معقولة، خاصةً في تركيا، التي يرى أنَّها بلد سياحي جميل من الطراز الأول، لافتاً إلى أنَّ أسرته كانت تميل في البداية إلى التخطيط للسفر منذ وقت مبكِّر، قبل أن تتجه مؤخراً إلى السفر المفاجئ، الذي يتمّ قبل موعده بأيام قليلة بالكاد تكفي للحصول على التأشيرات وحجز الطيران، وغيرها من الأمور المتعلِّقة بالرحلة.

ولفت إلى أنَّ الرحلات غير المُنظَّمة فيها جانب من التشويق والإثارة، كما أنَّها تعتمد على استخدام الملكات الذهنية والفكرية لمواجهة مواقف طارئة غير متوقعة، مُضيفاً أنَّ هذه هي قيمة السفر والترحال، على الرغم من وجود جانب من المخاطر إلاَّ أنَّها تبقى مخاطر لذيذة، موضحاً أنَّ اختيار الوجهة يتمّ بناء على ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنتديات المتخصصة عن وجهة السفر، وفي بعض الأحيان يكون ذلك على البركة.

واختلف معه يوسف السعيد – موظف -، مُبيِّناً أنَّه اعتاد أن يُخطِّط للسفر قبل حوالي ثلاثة أشهر من الموعد المُحدَّد، مُشيراً إلى أنَّه يهتم بسؤال الأصدقاء من ذوي الخبرة، إلى جانب أنَّه يُقارن بين المعلومات التي يحصل عليها من كل فرد على حدة وبين ما يحصل عليه من معلومات من أصدقائه الآخرين، خاصةً ما يتعلَّق بأسعار شركات الطيران والفنادق والمنتجعات، إلى جانب قربها وبعدها من المواقع التي يرغب بزيارتها.

حملات توعوية

وقال ماجد الحكير – خبير سياحي، ونائب رئيس اللجنة السياحية بالغرفة التجارية بالرياض -: “إنَّ التخطيط ضروري لكل شيء في الحياة، فما بالك بالنسبة للسفر والترحال إلى عوالم تختلف عن مجتمعاتنا العربية بشكلٍ كبير، لذا أرى أنَّه من الضروري تجنُّب العشوائية في قرار السفر، إلاَّ في حال كان هناك ظرف مفاجئ يتطلّب السفر”، مُشدِّداً على أهمية السياحة الداخلية؛ لأنَّها مهمة للوطن والمواطن وتدعم الاقتصاد الوطني بدرجة كبيرة.

وأكَّد أنَّ السياحة الداخلية تتيح الفرصة للأسر للتعرُّف على وطنهم والعادات الاجتماعية في مناطق المملكة، وغير ذلك من الأمور المهمة التي تُنمِّي حب الوطن وتُعمِّق الشعور بالانتماء إلى هذه الأرض الطيبة، مُضيفاً أنَّه يُحسب للهيئة العامة للسياحة والآثار في هذا الشأن تحديداً تنظيمها للعديد من الحملات التوعوية الإعلامية في العامين الأخيرين، وذلك من خلال وسائل متعددة تدعو للحجز مبكراً، الأمر الذي ينعكس بشكل إيجابي على المسافر للداخل والخارج.

سياحة داخلية

وأشار وليد السبيعي – خبير سياحي، ونائب رئيس لجنة وكالات السفر بالغرفة التجارية بالرياض – إلى أنَّ الإعداد المُسبق للسفر مهم ولا بُدَّ منه لتجنُّب الأضرار التي ربما تلحق بالمواطن وأسرته، خاصةً بعد أحداث ال (11) من سبتمبر، موضحاً أنَّها جعلت هناك نظرة شك وريبة تجاه المواطن العربي، موضحاً أنَّه حدث في السنوات الخمس الأخيرة اهتمام كبير لدى العديد من المواطنين بالتخطيط للسفر، في ظل تنامي السفر إلى عشرات الدول السياحية العالمية.

وبيَّن أنَّ ما نسبته (70%) تقريباً من المواطنين يتجهون للتخطيط المبكر واختيار أفضل الوجهات وأفضل الأسعار والمواقع التي تستحق أن يدفع فيها أمواله مقابل الحصول على مقابل جيد، لافتاً إلى أنَّ هناك أمورا استثنائية طارئة قد تجعل البعض يسافرون فجأة دون تخطيط مُسبق، ناصحاً بالسياحة الداخلية لما فيها من فائدة كبيرة على الجميع، خاصةً أنَّها تجمع بين الترفيه والراحة والاستجمام والأمن والسلامة، مؤكِّداً أنَّ جميع مقومات السياحة متوفرة في المملكة.

وناشد الجهات المعنية بمراقبة السياحة الداخلية والاهتمام بها، مُشيراً إلى أنَّ هناك ارتفاعا كبيرا في إيجار الشاليهات والاستراحات بصورة خيالية، بينما تكون الأسعار في الخارج بمتناول الجميع، مُبيِّناً أنَّ ذلك أدعى لتحقيق نوع من التوازن ما بين السياحة الداخلية والخارجية على حدٍ سواء.

 

مصروفات السياحة الخارجية ترهق ميزانية الأسرة

 

التخطيط الجيّد يجعل المسافر يتفادى بعض المواقف المُحرجة أثناء السفر

 

ش

Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

الرياض

17°C
Few clouds
الإثنين
77%
03:20 AM
Min: 16°C
947
02:03 PM
Max: 23°C
NE 3 m/s

جديد المقالات