الجهة: هيئة التراث
الرابط الرسمي: https://heritage.moc.gov.sa/en
هيئة التراث في سعيها لتوثيق المواقع الأثرية في المملكة تعلن عن اكتشاف أقدم مستوطنة بشرية في المملكة
لطالما ساد الوهم بأن التاريخ يُكتب من مركز واحد، وبأن شعلة الحضارة لم توقد إلا على عتبات منطقة تعرف باسم الهلال الخصيب. هذه الأرض الخصبة، التي صاغ مصطلحها العالم جيمس هنري بريستد في بدايات القرن العشرين، وامتدت عبر نهري دجلة والفرات وبلاد الشام، وظلت في نظر الدراسات التقليدية لزمن طويل نقطة البداية الوحيدة للاستيطان الزراعي والتحولات الكبرى للإنسان الأول.
مع بزوغ جيل من العلماء الثوريين، بدأ الشك ينمو. لقد أكدت هذه المراجعات أن القدرة على الابتكار والاستيطان لم تكن حكراً على جغرافيا أو عرق، وأن جميع المجموعات البشرية كانت قادرة على البناء والتكيف. ومن هنا، بزغ ضوء الحقيقة من شمال غرب الجزيرة العربية ليؤكد أن هذه المنطقة لم تكن هامشاً، بل كانت مركزاً حضارياً مستقلاً ومكملا ومكللا لهذا الجهد، فقد نجح الفريق العلمي المشترك بين هيئة التراث والجامعة ” كانازاوا” اليابانية في إعادة الكشف عن مصيون وتأريخه بوصفه أقدم مستوطنة في شبه الجزيرة العربية، رغم أنه كان قد أدرج كموقع أثري ضمن سجل الآثار الوطني في عام ١٩٧٨م.
واعترافاً بهذا الإنجاز المهيب الذي يعيد تشكيل خارطة التاريخ الإنساني في المنطقة، أعلن صاحب السمو الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة، رئيس مجلس إدارة هيئة التراث، عن هذا الاكتشاف بصفته أقدم مستوطنة سكنت أراضي شبه الجزيرة العربية. ويأتي هذا الإعلان نتيجة مباشرة لأعمال التنقيب الأثري المكثفة التي جرى تنفيذها من قبل علماء هيئة التراث وبالشراكة مع الجامعة اليابانية، وبتعاون مع نيوم في موقع مصيون.
مصيون الاستقرار هو القصة، والقبر هو شاهد الذاكرة
في مصيون شمال غرب تبوك نكتشف البعد الإنساني في المنطقة، حيث تحدث المكان عن مجتمع قرر أن يعيش ويصنع حضارة، التي تعود إلى أكثر من ١١,٠٠٠ سنة، وتحديداً الفترة ما بين ١١,٠٠٠ و ۱۰,۳۰۰ سنة مضت، تكشف لنا عن تخطيط متقدم يتجاوز حياة الترحال العادية. وقد أسفرت أعمال التنقيب عن اكتشاف وحدات معمارية شبه دائرية مشيدة بأحجار جرانيتية محلية، مما يشير إلى نمط عيش دائم.
تميز الموقع بوجود منشآت منظمة تضم مبان سكنية، ومقابر، ومخازن ومواقد نار. هذه الهياكل عكست تخطيطا وظيفيا متقدما يتناسب مع طبيعة العيش القائم على الصيد وزراعة الحبوب في تلك الفترة. وقد عثر على مجموعة كبيرة من الأدوات الحجرية، تشمل رؤوس سهام، وسكاكين، ومطاحن.
وعثر أيضاً على أدوات زينة مصنوعة من أحجار الأمازونيت، والكوارتز، والأصداف. هذه المواد الخام تدل على نشاط إنتاجي ومن الممكن إيضا تجاري داخل المستوطنة، كما شملت المكتشفات بقايا نادرة لهياكل بشرية وحيوانية، وقطع حجرية مرسومة بخطوط هندسية، تعلن عن مجتمع واع يمتلك رفاهية الزينة والقدرة على إدارة موارده بذكاء.
وإذا كان الاستقرار هو الدليل المادي على نشوء المجتمعات، فإن طقوس الدفن هي الدليل الرمزي على وعيها بذاتها.
من هنا يبرز سؤال: لماذا دُفنوا هكذا؟
ففي المكان القريب من المباني التي وجدت وضعت هياكل بشرية لذكور بالغين في القبر بوضع القرفصاء، أشبه بوضع الجنين في رحم والدته، وهي طريقة تعكس اعتقادًا حول سؤال: ماذا يحدث بعد الوفاة؟
والأكثر إثارة هو إثبات العلماء لوجود تخطيط لتنفيذ طقس كان شائعًا في المجتمعات النيوليتية، وهو إخراج الجمجمة لهيكل بشري ذكر بالغ لاحقا بعد التحلل، وإعادة دفنها. رغم تعدد التفسيرات لا تزال هذه الممارسة محل جدل علمي، دون وجود دليل حاسم يفسر دوافعها بشكل قاطع.
هذا الطقس، الذي لم يكتمل في مصيون يطرح سؤالا : لماذا تركت الهياكل العظمية بهذا الشكل رغم التخطيط لتنفيذ المعتقد ؟ هل أجبرتهم ظروف قاهرة على المغادرة فجأة؟ إن هذا الغياب للطقس يروي قصة مجموعة تركت خلفها جزءًا من معتقدها وذاكرتها.
وهذا يثبت أن سكان مصيون كانوا شركاء في الأفكار الدينية والاجتماعية في المنطقة، ما جعلهم امتدادًا فكريا لا جغرافيا فحسب.
الجزيرة العربية منزل للإنسان الأول ومنبرا للمعرفة للتاريخ الإنساني العالمي
إن هذه الاكتشافات الأخيرة، التي توثق للاستقرار الإنساني الأول في مصيون، تفرض إعادة تشكيل كاملة لما نعرفه عن تاريخنا من الغرب، إذ تمثل دعوة صريحة لإعادة النظر في التاريخ برمته، كما تؤكد أن الجزيرة العربية كانت مركزاً حضارياً مستقلاً ومكملاً ، وليست ممر انتقال أو هامشا جغرافياً، وبالتالي تثبت أن الابتكار والحضارة نتاج قدرات بشرية مشتركة، وليست حكراً على جغرافيا أو عرق.
هذا الاكتشاف يجسد الدور المحوري لهيئة التراث في استعادة السرديات الحضارية لشبه الجزيرة العربية ويبرز جهودها المتواصلة لتوثيق المواقع الأثرية في المملكة وتوسيع نطاق التعاونات لخدمة تاريخ أرضنا مع أفضل الجامعات والمراكز البحثية الدولية المتخصصة في علم الآثار، تحقيقاً لمستهدفات رؤية المملكة ۲۰۳٠ التي تسعى لجعل المملكة منبرا معرفياً في مجال التراث الإنساني العالمي .


