هيئة المسرح والفنون _ مجلة صناعة السياحة
لسنوات طوال، ظلت الحكاية السعودية تبحث عن فضاء يليق بطموحها، والمسرح السعودي ليس غريباً على صفحات التاريخ لطالما كان حاضراً بقوة، مدعوماً بمداد كتاب رأوا في خشبة المسرح المرفأ الأرحب لأحلامهم ، اليوم أزهر الحلم القديم الذي طالما راود نفوس المسرحيين؛ حلم بوجود كيان شامخ وملاذ مؤسسي يتبنى الرؤى الإبداعية بوصفها جوهر الهوية الوطنية. لقد كانت اللحظة الفارقة حين تبلورت ملامح التغيير بتأسيس وزارة الثقافة، لتمتد مظلتها الحانية على المبدعين، وتنبثق منها هيئات تخصصية تعنى بتفاصيل الفن والثقافة .
وفي قلب هذا التحول ، تجلت هيئة المسرح والفنون الأدائية؛ لترفع عن كاهل الكتاب والمؤلفين عبء الغياب وتتولى همومهم ، مانحة خيالاتهم أجنحة.
هيئة المسرح والفنون الأدائية:
إرث المسرح يُستعاد.. وطموح يُشيد اليوم، تمضي حكاية هيئة المسرح والفنون الأدائية في نسج مستقبل تكون فيه الفنون ركيزة استثنائية لا تغيب واضعة إبراز ثراء الفنون المحلية هدفا في كل خطوة حيث انطلقت لتفتح للمبدع آفاقاً رحبة يستنطق من خلالها كنوز الموروث الثقافي والفني، أو يطلق العنان لخيال يكتب من وحي العصر نصوصاً تسكن قوالب فنية حديثة وتخاطب وجدان العالم، مدركة في الوقت ذاته أن هذا لا يكتمل إلا بأرض صلبة تحتضنه؛ فكانت رؤيتها تنظر بعمق إلى عالم المسرح وحاجته الملكة إلى بنية تحتية راسحة، فشرعت في تذليل الصعوبات لتكون الحاضنة التي تحول خيالات الكتاب إلى واقع ملموس يضح بالحياة.
خارطة طريق نحو واقع إبداعي عالمي
لقد تشكل قطاع المسرح والفنون الأدائية اليوم بأنامل جهود وطنية ، مدفوعة بدعم سخي من مسؤولين جعلوا من الأهداف المخططة واقعاً ملموساً يضج بالحياة، وذلك عبر ركائز استراتيجية شملت:
– تنمية المواهب وبناء القدرات: عملت الهيئة على تقديم عدداً من الدورات التدريبية التي تسعى لتأهيل القطاع الفني لخوض سباق التميز بكفاءة واقتدار.
– دعم الممارسين : غدت الهيئة السند الحقيقي والملاذ الآمن لكل المهتمين؛ حيث قدمت منحاً وجوائز فاقت التوقعات، وأذكت روح التنافس الشريف بين القطاع الخاص والأفراد عبر مبادرات وحملات وطنية كبرى، جعلت من الإبداع طموحاً متاحاً للجميع.
– نقطة جذب استثمارية : شرعت الهيئة أبواب القطاع للمستثمرين من شتى بقاع الأرض، كاشفة عن قصة قطاع يفاخر بأصالته ويعد بربحيته، ليكون الاستثمار في الفن السعودي رهاناً رابحاً، وجزءاً أصيلاً من نجاح رؤية المملكة 2030.
– تجديد يواكب العصر : فكلما أطل فجر فن مستحدث أو تقنية أدائية جديدة، سارعت الهيئة إلى وضع القواعد المنظمة والقياسات المعيارية التي تضمن الحداثة دون المساس بالأصالة؛ لتشيد بذلك نظاماً متكاملا للمسرح والفنون الأدائية، يجمع بين مرونة العصر وانضباط المهنة، ليغدو المنتج الثقافي السعودي علامة فارقة في المحافل الدولية.
استثمار في الإنسان…
ورهان استثنائي على المبدع السعودي
يتجلى طموح الهيئة في إيمانها العميق بالشاب السعودي الذي استطاع منذ خطواته الأولى أن يثبت جدارته وينافس أسماء لها تاريخها الطويل في عالم المسرح والفنون الأدائية ؛ فكانت هذه الميزة التنافسية هي المحرك الأساسي الذي وضعته الهيئة أمام أعينها، لتنطلق نحو الاستثمار في هذه الطاقات الشابة عبر بعثات وبرامج تدريبية صممت بالتعاون مع أعرق الجامعات والخبراء والمعاهد العالمية. لقد جاء هذا التوجه ليمنح الموهبة السعودية فرصة التحليق في رحاب الابداع، والعودة برؤى فنية متطورة تصب في مصلحة الحكاية المحلية، وتضمن أن يكون المبدع السعودي هو القائد الحقيقي لهذه النهضة، والوجه الاستثنائي الذي يطل به الوطن على مسارح العالم.
الحضور الفعّال لهيئة المسرح والفنون الأدائية
تجلت جهود الهيئة في بناء واقع إبداعي متكامل، ارتكز على أرقام ومبادرات نوعية عكست حجم الطموح المبذول؛ حيث أطلقت استراتيجية وطنية شاملة تضمنت حزمة من المبادرات التي لامست كافة أطياف القطاع، ومن أبرزها:
– تأسيس الأجيال : انطلقت الحكاية من ممرات المدارس عبر “مبادرة المسرح المدرسي”، التي نجحت في تدريب آلاف المعلمين والمعلمات ؛ ليكونوا حراس الموهبة الأوائل الذين يغرسون بذور الفن في نفوس الناشئة، ويضمنون استدامة الإبداع السعودي من منبعه الأصيل.
– المشاركة في المحافل الدولية: اصبح الوطن منصة تحتفي بالقطاع ، فبرز “مهرجان قمم الدولي للفنون الأدائية الجبلية” مستضيفاً فرقاً من 20 دولة عالمية، وتوهج مهرجان الرياض للمسرح” كأضخم ظاهرة فنية تحتفي بالمسرح، لتغدو المملكة وجهة وقبلة لكل عشاق الفنون من شتى بقاع الأرض كما شاركت الفنون الأدائية السعودية في محافل دولية كبرى .
– مأسسة الإبداع : تكون الشغف الفني إلى كيان مهني منيع عبر منصة “أبدع”، التي شرعت أبواب التراخيص المهنية لأكثر من 12 تخصصاً فنياً وتقنياً؛ مانحة المبدع السعودي هويته الرسمية، وضامنة له مستقبلاً وظيفياً محترفاً يليق بعطائه.
– الريادة : توّجت الهيئة مسيرة النجاح بإنتاج أعمال الإنساني. أسطورية، تصدرتها “أوبرا” زرقاء اليمامة”؛ كأول أوبرا سعودية وأضخم إنتاج باللغة العربية عالمياً، لتصدح الحكاية السعودية في أعرق المحافل، وتثبت جدارتها في قيادة الإنتاجات الثقافية الكبرى على المسرح الدولي.
أصالة عابرة للحدود.. حين يغدو الموروث لغة ثقافية
بذلت الهيئة جهدها لتعيد الاعتبار للفنون الأدائية، واضعة صيانة هذا الإرث ؛ ليصبح الموروث السعودي مصدر اعتزاز محلي ليتحدث بلغة العصر التي تصل لجميع الفئات ، وذلك عبر مسارات استراتيجية:
– حصر وتوثيق : انطلقت الهيئة في مشروع وطني ضخم لحصر أكثر من 35 لوناً أدائياً من مختلف مناطق المملكة، وتوثيقها وفق أعلى المعايير الفنية والبحثية لضمان انتقال الهوية الوطنية إلى الأجيال القادمة بنقائها وأصالتها.
– عولمة الفنون التقليدية : تجلى ذلك في “مهرجان قمم الدولي”، الذي استطاع إحالة الفنون الجبلية السعودية من موروث محلي إلى لغة إنسانية عالمية مستضيفاً تحت ظلاله ثقافات من شتى القارات، ليضع الفن السعودي في مكانه الطبيعي قلباً نابضاً في خارطة التراث العالمي.
– انبهار عالمي: قادت الهيئة حضور الفنون السعودية في المحافل الدولية الكبرى مثل مشاركاتها في نيويورك، ولندن وباريس و الأرجنتين وغيرها من المدن والدول ) ؛ حيث وقفت “العرضة والسامر والخطوة وغيرها من الفنون الأدائية ” بزهو فوق أعرق المسارح، لتبرهن للعالم أن القوة الناعمة للمملكة تكمن في تنوعها الثقافي الفريد، وقدرتها الفائقة على إبهار الوجدان
– اعتراف دولي : وتوجت الهيئة هذا المسار بدعم ملفات تسجيل فنوننا في قائمة “اليونسكو” للتراث الثقافي غير المادي؛ لتنتزع اعترافا دوليا يكرس مكانة المملكة كحاضنة لأعرق الفنون .




