هيئةِ المسرحِ والفنونِ الأدائيَّةِ تكتبُ فصلاً جديداً في ذاكرة الحكاية السعودية

هيئة الافلام _ مجلة صناعة السياحة

​لسنوات طوال، ظلّت الحكاية السعودية تبحث عن فضاء يليق بطموحها، والمسرح السعودي ليس غريباً على صفحات التاريخ؛ لطالما كان حاضراً بقوة، مدعوماً بمداد كتاب رأوا في خشبة المسرح المرفأ الأرحب لأحلامهم. حيث يذكر لنا التاريخ ظهور أول نص مسرحي مكتوب عام 1932م الذي نوقش كدراسة في الجامعة الأمريكية ببيروت، ليكون شاهداً على عراقة الفكر المسرحي السعودي منذ عقود.

​من مشكاة هذا الإرث العريق، أزهر الحلم القديم الذي طالما راود نفوس المسرحيين: حلم بوجود كيان شامخ، وملاذ مؤسسي يتبنى الرؤى الإبداعية بوصفها جوهر الهوية الوطنية. لقد كانت اللحظة الفارقة حين تبلورت ملامح التغيير بتأسيس وزارة الثقافة، لتمتد مظلتها حانية على المبدعين، وتنبثق منها هيئات تخصصية تُعنى بتفاصيل الفن والثقافة. وفي قلب هذا التحول، تجلّت هيئة المسرح والفنون الأدائية؛ لترفع عن كاهل الكتاب والروائيين عبء الغياب، وتتولى همومهم، مانحة خيالاتهم أجنحة.

​هيئة المسرح والفنون الأدائية: إرث المسرح يُستعاد.. وطموح يُشيّد
​اليوم، تمضي حكاية هيئة المسرح والفنون الأدائية في نسج مستقبل تكون فيه الفنون ركيزة استثنائية لا تغيب، واضعة الشعب السعودي وتطلعاته نصب أعينها في كل خطوة، حيث انطلقت لتفتح للمبدع آفاقاً رحبة يستنطق من خلالها كنوز الموروث الشعبي، أو يطلق العنان لخيال يكتب من وحي العصر نصوصاً تسكن قوالب فنية حديثة وتخاطب وجدان العالم، مدركة في الوقت ذاته أن هذا لا يكتمل إلا بأرض صلبة تحتضنه؛ فكانت رؤيتها تنظر بعمق إلى عالم المسرح وحاجته الملحة إلى بنية تحتية راسخة، فشرعت في تشييد تلك المقرات وتجهيزها لتكون الحاضنة التي تحول خيالات الكتاب إلى واقع ملموس يضج بالحياة.

 

​صناعة التحول.. خارطة طريق نحو واقع إبداعي عالمي
​لقد تشكل قطاع المسرح والفنون الأدائية اليوم بأنامل جهود الهيئة، مدفوعة بدعم سخي من مسؤولين جعلوا من الأهداف المخططة واقعاً ملموساً يضج بالحياة، وذلك عبر ركائز استراتيجية شملت:
​المعرفة كمنطلق: عملت الهيئة على دراسة مواطن القوة ومعالجة الثغرات التي قد تحجب ضوء المبدع السعودي؛ فأطلقت فيضاً من الدراسات والبحوث التي تسعى لتأهيل القطاع لخوض سباق التميز العالمي بكفاءة واقتدار.
​سند وملاذ للقطاع: غدت الهيئة السند الحقيقي والملاذ الآمن لكل المهتمين؛ حيث قدمت منحاً وجوائز فاقت التوقعات، وأذكت روح التنافس الشريف بين القطاع الخاص والأفراد عبر مبادرات وحملات وطنية كبرى، جعلت من الإبداع طموحاً متاحاً للجميع.

​نقطة جذب استثمارية: شرعت الهيئة أبواب القطاع للمستثمرين من شتى بقاع الأرض، كاشفة عن قصة قطاع يفاخر بأصالته ويعد بربحيته، ليكون الاستثمار في الفن السعودي رهاناً رابحاً، وجزءاً أصيلاً من نجاح رؤية المملكة 2030 الكبرى.

​تجديد يواكب العصر: فكلما أطلّ فجرٌ في مستحدث أو تقنية أدائية جديدة، سارعت الهيئة إلى وضع القواعد المنظمة والقياسات المعيارية التي تضمن الحداثة دون المساس بالأصالة؛ لتشيد بذلك نظاماً متكاملاً للمسرح والفنون الأدائية، يجمع بين مرونة العصر وانضباط المهنة، ليغدو المنتج الثقافي السعودي علامة فارقة في المحافل الدولية.

​استثمارٌ في الإنسان.. ورهان استثنائي على المبدع السعودي
​يتجلى طموح الهيئة في إيمانها العميق بالشاب السعودي الذي استطاع منذ خطواته الأولى أن يثبت جدارته وينافس أسماء لها تاريخها الطويل في عالم المسرح؛ فكانت هذه الميزة التنافسية هي المحرك الأساسي الذي وضعته الهيئة أمام أعينها، لتنطلق نحو الاستثمار في هذه الطاقات الشابة عبر بعثات وبرامج تدريبية صممت بالتعاون مع أعرق الجامعات والمعاهد العالمية.

​لقد جاء هذا التوجه ليمنح الموهبة السعودية فرصة التحليق في رحاب المسرح العالمي، والعودة برؤى فنية متطورة تصب في مصلحة الحكاية المحلية، وتضمن أن يكون المبدع السعودي هو القائد الحقيقي لهذه النهضة، والوجه الاستثنائي الذي يطل به الوطن على مسارح العالم.

​السياحة الثقافية وصناعة الوجهة العالمية
​صاغت الهيئة مفهوماً رائداً للسياحة الإبداعية، محوّلةً الفنون من عروض عابرة إلى (وجهات استراتيجية) تخاطب وجدان الزوار من مختلف القارات. تجسّد هذا التحول في جعل الفنون الأدائية محرّكاً أساسياً يعيد تعريف تجربة الزائر للمملكة؛ إذ نجحت الرؤية التخطيطية في تحويل المسرح السعودي إلى جسر عابر للثقافات، يستقطب الباحثين عن الأصالة، ويمنحهم فرصة الاندماج في جوهر الهوية السعودية التي تتصدر اليوم خارطة السياحة الدولية.

​أنسنة المواقع: استثمرت الهيئة في البنية التحتية عبر تحويل المواقع المسجلة في قائمة “اليونسكو” والميادين العامة في “جدة التاريخية” و”الدرعية” إلى مسارح حيّة، مما خلق نمطاً سياحياً يدمج بين سحر المكان وعمق الأداء، ويمنح السائح تجربة تعيد إحياء القصص في مواقعها الأصلية فيما يُعرف عالمياً بسياحة المواقع.

​عولمة الأداء: عملت الهيئة على توطين أحدث التقنيات المسرحية المعقدة، من هندسة الصوت الرقمية إلى تصميم الإضاءة السينمائية، مما مكن الفرق السعودية من تقديم استعراضات ميدانية تضاهي في جودتها البصرية مسارح “برودواي” و”ويست إند”، واضعة الفعاليات السعودية على أجندة السياح الباحثين عن التفرد والإبهار الفني العالمي.

​فلسفة الاندماج.. الفنّ كنمط حياة: عبر منصة “أبدع”، أحدثت الهيئة نقطة تحول في قطاع الضيافة بمنح تراخيص العروض الأدائية للمطاعم والفنادق، مما جعل الفن جزءاً من التجربة السياحية اليومية، وساهم في رفع جودة الحياة ومعدلات الإنفاق السياحي عبر تقديم “الثقافة كنمط حياة” لا كفعالية محدودة الزمان والمكان.

​استدامة الكفاءة وصناعة الكوادر: ساهمت هذه المبادرات في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات إدارة المسارح، وتنظيم الفعاليات، والإرشاد الفني، مدعومة بـ “برنامج الابتعاث الثقافي” الذي رفد القطاع بكوادر سعودية مؤهلة من أرقى الجامعات العالمية، ليديروا وجهاتنا السياحية بعقلية احترافية تواكب لغة العالم.

​أفق مسرحي مستدام
​انتقلت الفنون الأدائية السعودية بفضل استراتيجيات الهيئة من سياقها التقليدي إلى فضاء مؤسسي رحب، يرتكز على الاستدامة والاحترافية العالية، ويؤسّس لمرحلة جديدة يتصدر فيها المبدع السعودي المشهد الثقافي العالمي. أثمرت هذه الرحلة عن واقع ملموس يجد فيه الفنان الشاب بيئة تعليمية وحاضنة لموهبته، ويجد فيه المستثمر قطاعاً حيوياً مدعوماً بتشريعات مرنة، ويجد فيه السائح والزائر تجربة فريدة تعكس ثراء التراث السعودي وقدرته على التجدد.

​إن بناء هذا القطاع وتطويره وفق معايير عالمية يضمن تحويل الفنون إلى رافد حقيقي يعزز الهوية الوطنية ويدعم جودة الحياة، مع المساهمة الفعلية في تنويع مصادر الاقتصاد الوطني عبر صناعة إبداعية متكاملة. يتجاوز هذا المنجز حدود العرض والمسرح؛ ليكون مشروعاً وطنياً لبناء الكوادر، وتوطين التقنيات، وفتح آفاق التوظيف لآلاف السعوديين في مجالات فنية وإدارية وتقنية لم تكن متاحة من قبل.

​هكذا تمضي الهيئة في تحقيق غاياتها الكبرى، جاعلة من المسرح والفنون الأدائية جسراً يربط بين عراقة الماضي وطموح الرؤية، ومؤكدةً أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في مستقبل الأجيال. ستبقى الستارة مرفوعة دائماً على جيل يبدع بعقله، ويُبهر العالم بأصالته، ويصنع نهضة مسرحية تليق بمكانة المملكة وريادتها في قلب العالم.

 

شارك المحتوى عبر:

جديد الأخبار